ابو القاسم عبد الكريم القشيري

165

لطائف الإشارات

وقدّم اللّه - سبحانه - اسم اللّه في هذا المحل على اسميه الرحمن والرحيم على وجه البيان والحكم ، فبرحمته الدنيوية وصل العبد إلى معرفته الإلهية . والإشارة من الباء - التي هي حرف التضمين والإلصاق - إلى أنّ « به » عرف من عرف ، وبه وقف من وقف ؛ فالواصل إليه محمول بإحسانه ، والواقف دونه مربوط بخذلانه . قوله جل ذكره : [ سورة يوسف ( 12 ) : آية 1 ] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ ( 1 ) التخاطب بالحروف المتفرقة غير المنظومة سنّة الأحباب في ستر المحابّ ؛ فالقرآن - وإن كان المقصود منه الإيضاح والبيان - ففيه تلويح وتصريح ، ومفصّل ومجمل ، قال قائلهم : أبكى إلى الشرق إن كانت منازلكم * مما يلي الغرب خوف القيل والقال ويقال وقفت فهوم الخلق عن الوقوف على أسراره فيما خاطب به حبيبه - صلى اللّه عليه وسلم ، فهم تعبدوا به وآمنوا به على الجملة ولكنه أفرد الحبيب بفهمه ، فهو سرّ الحبيب عليه السلام بحيث لا يطلع عليه الرقيب ، يقول قائلهم : بين المحبين سرّ ليس يفشيه * قول ، ولا قلم للخلق يحكيه وفي إنزال هذه الحروف المقطعة إشارة : وهي أنّ من كان بالعقل والصحو استنبط من اللفظ اليسير كثيرا من المعاني ، ومن كان بالغيبة والمحو يسمع الكثير فلا يفهم منه اليسير ؛ ذاك لكمال عقله وهذا لتمام وصله ؛ فأنزل اللّه هذه الحروف التي لا سبيل إلى الوقوف على معانيها ، ليكون للأحباب فرجة حينما لا يقفون على معانيها بعدم السبيل إليها فلا تتوجه عليهم مطالبة بالفهم ، وكان ذلك لائقا بأحوالهم إذا كانوا مستغرقين في عين الجمع ، ولذا قيل : استراح من العقل له « 1 » . وقوله تعالى : « تِلْكَ » يحتمل أن يكون إشارة إلى أن هذا خبر الوعد الذي وعدناك .

--> ( 1 ) هكذا في ( ص ) ونرجح أنها ( استراح من لا عقل له ) والعقل هنا معناه الوعي .