ابو القاسم عبد الكريم القشيري
146
لطائف الإشارات
ويقال بشارة بالخلّة وتمام الوصلة . ويقال إن الخلّة والمحبة بناؤهما كتمان السّرّ ؛ فيعلم أنهم أرسلوا ببشارة ما ولم يكن للغير اطلاع ، قال قائلهم : بين المحبين قول لست أفهمه ويقال إن تلك البشارة هي قولهم : « سَلاماً » وأن ذلك كان من اللّه ، وأىّ بشارة أتمّ من سلام الحبيب ؟ وأىّ صباح يكون مفتتحا بسلام الحبيب فصباح مبارك ، وكذلك المبيت بسلام الحبيب فهو مبارك . قوله : « فَما لَبِثَ أَنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ » : لمّا توهمهم أضيافا قام بحقّ الضيافة ، فقدّم خير ما عنده ما شكره الحقّ عليه حيث قال في موضع آخر : جاء بعجل سمين « 1 » . والمحبة توجب استكثار القليل من الحبيب واستقلال ما منك للحبيب ، وفي هذا إشارة إلى أنه إذا نزل الضيف فالواجب المبادرة إلى تقديم السّفرة « 2 » ممّا حضر في الوقت . قوله : فَلَمَّا رَأى أَيْدِيَهُمْ لا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ تمام إحسان الضيف أن تتناول يده ما يقدّم إليه من الطعام ، والامتناع عن أكل ما يقدّم إليه معدود في جملة الجفاء في مذهب أهل الظّرف « 3 » . والأكل في الدعوة واجب على أحد الوجهين . « وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً » : أي خاف أنه وقع له خلل في حاله حيث امتنع الضّيفان عن أكل طعامه ؛ فأوجس الخيفة لهم لا منهم . وقيل إن الملائكة في ذلك الوقت ما كانوا ينزلون جهرا إلا لعقوبة ؛ فلمّا امتنعوا عن الأكل ، وعلم أنهم ملائكة خلف أن يكونوا قد أرسلوا لعقوبة قومه . قوله جل ذكره : [ سورة هود ( 11 ) : الآيات 71 إلى 73 ] وَامْرَأَتُهُ قائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ ( 71 ) قالَتْ يا وَيْلَتى أَ أَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهذا بَعْلِي شَيْخاً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ ( 72 ) قالُوا أَ تَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ ( 73 )
--> ( 1 ) آية 26 سورة الذاريات . ( 2 ) السفرة - طعام يصنع للمسافر ، أو المائدة وما عليها من طعام ( الوسيط ) . ( 3 ) الظرف : ( يقال ظرف فلان ظرفا كان كيسا حاذقا ، والظرف في اللسان البلاغة ، وفي الوجه الحسن ، وفي القلب الذكاء ) الوسيط .