ابو القاسم عبد الكريم القشيري

136

لطائف الإشارات

لما تحقّق بما أمر اللّه به لم يأبه عند إمضاء ما كلّف به بما سمع من القيل ، ونظر إلى الموعود بطرف التصديق فكان كالمشاهد له قبل الوجود . قوله جل ذكره : [ سورة هود ( 11 ) : آية 39 ] فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ ( 39 ) لا طاعة لمخلوق في مقاساة تقديره - سبحانه - إلا من تحمل عنه بفضله ما يحمله بحكمه . قوله جل ذكره : [ سورة هود ( 11 ) : آية 40 ] حَتَّى إِذا جاءَ أَمْرُنا وَفارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَما آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ ( 40 ) طال انتظارهم لما كان يتوعّدهم به نوح عليه السلام على وجه الاستبعاد ، ولم يزدهم تطاول الأيام إلا كفرا ، وصمّموا على عقد تكذيبهم . ثم لمّا أتاهم الموعود إياهم بغتة ، وظهر من الوضع الذي لم يحبّوه فار الماء من التنور المسجور ، وجادت السماء بالمطر المعبور « 1 » . « قُلْنَا احْمِلْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ » : استبقاء للتناسل . ويقال : قد يؤتى الحذر من مأمنه ؛ فإن إبليس جاء إلى نوح - عليه السلام - . وقال : احملني في السفينة فأبى نوح عليه السلام ، فقال له إبليس : أما علمت أنى من المنظرين إلى يوم معلوم ، ولامكان لي اليوم إلا في سفينتك ؟ فأوحى اللّه إلى نوح أن يحمله معه . ويقال لم يكن لابن نوح معه مكان ، وأمر بحمل إبليس وهو أصعب الأعداء ! وفي هذا إشارة إلى أن أسرار التقدير لا تجرى على قياس الخلق ؛ كأنه قيل له : يا نوح . . ابنك لا تحمله ، وعدوك فأدخله ، فاللّه سبحانه فعّال لما يريد « 2 » .

--> ( 1 ) أي الجاري . ( 2 ) في هذه الإشارة تلميح إلى قاعدة في مذهب القشيري أن أفعال اللّه لا تخضع لما ألف الناس من مقاييس نسبية .