ابو القاسم عبد الكريم القشيري
130
لطائف الإشارات
من ادّعى على اللّه حالا لم يكن متحققا بها فقد افترى على اللّه كذبا ، واستوجب المقت ، وعقوبته ألّا يرزق بركة في أحواله ، ثم إنه يكشف للشهداء عيوبه ، فيفضحه بين الخلق ، والشهداء قلوب الأولياء ، ومن شهدت القلوب عليه بالردّ فهو غير مقبول عند الحقّ قوله جل ذكره : [ سورة هود ( 11 ) : آية 19 ] الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَها عِوَجاً وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ ( 19 ) الآية . هذا من جملة صفات المفترين على اللّه الكذب ، ومن صدّهم عن السبيل أن يظهروا من أنفسهم أحوالا تخلّ بأحكام الشريعة ، ولا يرون ذلك كبيرة في الطريقة ، ويوهمون المستضعفين من أهل الاعتراض عليهم أنّ لهم في ذلك رخصة ، فيضلّون ويضلّون . ومن جملة صدّهم عن السبيل تغريرهم بالناس ، وإيقاعهم في الغلط ، ويرتفقون بشئ مما في أيديهم من حطام الدنيا ، ولا يستحيون من أخذ شئ لا يستوجبونه بأي وجه حقّ ، ويداهنون في دين اللّه . قوله جل ذكره : [ سورة هود ( 11 ) : الآيات 20 إلى 21 ] أُولئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَما كانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِياءَ يُضاعَفُ لَهُمُ الْعَذابُ ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَما كانُوا يُبْصِرُونَ ( 20 ) أُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ ( 21 ) الآية . من هذه صفتهم لا يربحون في تجارتهم ، ولا يلحقون غاية طلبوها ؛ فيبقون عن الحق ، ولا يبارك لهم فيما اعتاضوا من صحبة الخلق . . خسرت صفقتهم ، وبارت بضاعتهم ، لقوا الهوان ، وذاقوا اليأس والحرمان . قوله جل ذكره : [ سورة هود ( 11 ) : آية 22 ] لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ ( 22 ) لا محالة أنهم في الآخرة أشدّ خسرانا ، وأوفر - من الخيرات - نقصانا . قوله جل ذكره : [ سورة هود ( 11 ) : آية 23 ] إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَأَخْبَتُوا إِلى رَبِّهِمْ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ ( 23 ) الإخبات التخشع للّه بالقلب بدوام الانكسار ، ومن علامته الذبول تحت جريان المقادير بدوام الاستغاثة بالسر .