ابو القاسم عبد الكريم القشيري

127

لطائف الإشارات

إذا كشفنا الضرّ عنهم رحمة منّا عادوا إلى تهتكهم بدلا من أن يتقربوا إلينا ، وأساءوا يخلع عذارهم بدل أن يقوموا بشكرنا ، وكلما أتحنا لهم من إمهالنا أمنوا لمكرنا ، ولم يخافوا أن نأخذهم فجأة بقهرنا . قوله جل ذكره : [ سورة هود ( 11 ) : آية 11 ] إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ ( 11 ) الإنسان في الآية السابقة اسم جنس . وإلا للاستثناء منه ، وقيل بمعنى « لكن » ، يريد إذا أذقناهم نعمة بعد الشدة بطروا ، إلا المؤمنين فإنهم بخلاف ذلك ، أي لكنّ الذين آمنوا بخلاف ذلك ، فإنهم لصبرهم على على ما به أمروا ، وعما عنه زجروا ، ولمعانقتهم للطاعات ومفارقتهم الزّلات . . فلهم مغفرة وأجر ، مغفرة لعصيانهم ، وأجر على إحسانهم . والفريقان لا يستويان ، قال قائلهم . أحبابنا شتّان واف وناقص * ولا يستوى قطّ محبّ وباغض قوله جل ذكره : [ سورة هود ( 11 ) : آية 12 ] فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إِلَيْكَ وَضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّما أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ ( 12 ) اقترحوا عليه أن يأتي بكتاب ليس فيه سبّ آلهتهم ، وبيّن اللّه - سبحانه - له ألا يترك تبليغ ما أنزل عليه لأجل كراهتهم ، ولا يبدّل ما يوحى إليه . قوله جل ذكره : وَضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّما أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ . وهذا على وجه الاستبعاد ؛ أي لا يكون منك ترك ما أوحى إليك ، ولا يضيق صدرك