ابو القاسم عبد الكريم القشيري
119
لطائف الإشارات
لا تعبد ما لا تنفعك عبادته ولا تضرّك عبادته ، وتلك صفة كل ما يعبد من دون اللّه . واستعانة الخلق بالخلق تمحيق للوقت بلا طائل ؛ فمن لا يملك لنفسه ضرّا ولا نفعا كيف يستعين به من هو في مثل حاله ؟ وإذا انضاف الضعيف إلى الضعيف ازداد الضعف . قوله جل ذكره : [ سورة يونس ( 10 ) : آية 107 ] وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ( 107 ) كما تفرّد بإبداع الضرّ واختراعه فلا شريك يعضّده . . كذلك توحّد بكشف الضرّ وصرفه فلا نصير ينجده . ويقال هوّن على المؤمن الضرّ بقوله : « وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ » حيث أضافه إلى نفسه ، والحنظل يستلذّ من كفّ من تحبه . وفرّق بين الضرّ والخير بإضافة الضرّ إليه فقال : وإن يمسسك اللّه بضرّ ، ولم يقل : وإن يردك بضر - وإن كان ذلك الضرّ صادرا عن إرادته - وفي ذلك من حيث اللفظ دقّة . ويقال : عذب الضرّ حيث كان نفعه ؛ فلمّا أوجب مقاساة الضّرّ من الحرب أبدل مكانه السرور والطّرب . قوله جل ذكره : [ سورة يونس ( 10 ) : آية 108 ] قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ ( 108 ) من استبصر ربح رشد نفسه ، ومن ضلّ فقد زاغ عن قصده ؛ فهذا بلاء اكتسب ، وذلك ضياء وشفاء اجتلب .