ابو القاسم عبد الكريم القشيري
94
لطائف الإشارات
قوله جل ذكره : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 59 ] فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزاً مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ ( 59 ) لم يمكنهم أن يردوا باب السماء باحتيالهم ، أو يصدوا من دونهم أسباب البلاء بما ركنوا إليه من أحوالهم ، فزعوا من الندم لما عضّهم ناب « 1 » الألم ، وهيهات أن ينفعهم ذلك لأنه محال من الحسبان . قوله جل ذكره : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 60 ] وَإِذِ اسْتَسْقى مُوسى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ ( 60 ) إن الذي قدر عل إخراج الماء من الصخرة الصمّاء كان قادرا على إروائهم بغير ماء ولكن لإظهار أثر المعجزة فيه ، وإيصال محل الاستغاثة إليه ، وليكون على موسى عليه السّلام - أيضا في نقل الحجر - مع نفسه شغل ، ولتكليفه أن يضرب بالعصا مقاساة نوع من معالجة ما أمضى حكمه عند استسقائه لقومه « 2 » . ثم أراد الحق سبحانه أن يكون كل قوم جاريا على سنّة ، ملازما لحدّه ، غير مزاحم لصاحبه فأفرد لكل سبطة علامة يعرفون بها مشربهم ، فهؤلاء لا يردون مشرب الآخرين ، والآخرون لا يردون مشرب الأولين . وحين كفاهم ما طلبوا أمرهم بالشكر ، وحفظ الأمر ، وترك اختيار الوزر ، فقال : ولا تعثوا في الأرض مفسدين . والمناهل مختلفة ، والمشارب متفاوتة ، وكلّ يرد مشربه ؛ فمشرب عذب فرات ، ومشرب ملح أجاج ، ومشرب صاف زلال ، ومشرب رتق أوشال « 3 » . وسائق كلّ قوم
--> ( 1 ) وردت ( تاب ) بالتاء وهي خطأ في النسخ . ( 2 ) لاحظ هنا مذهب القشيري في التوكل ، وكيف أنه لا يتعارض مع السعي . ( 3 ) أوشال : جمع وشل وهو الماء القليل يتحلّب من جبل أو صخرة ولا يتصل قطره الوسيط ص 1047 .