ابو القاسم عبد الكريم القشيري

80

لطائف الإشارات

قوله جلّ ذكره : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 35 ] وَقُلْنا يا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلا مِنْها رَغَداً حَيْثُ شِئْتُما وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ ( 35 ) « 1 » أسكنه الجنة ولكن أثبت مع دخوله شجرة المحنة ، ولولا سابق التقدير لكان يبدل تلك الشجرة بالنضارة ذبولا ، وبالخضرة يبسا ، وبالوجود فقدا ، وكانت لا تصل يد آدم إلى الأوراق ليخصفها على نفسه - ويقع منه ما يقع . ولو تطاولت تلك الشجرة حتى كانت لا تصل إليها يده حين مدّها لم يقع في شأنه كل ذلك التشويش ولكن بدا من التقدير ما سبق به الحكم . ولامكان أفضل من الجنة ؛ ولا بشر أكيس من آدم ، ولا ناصح يقابل قولة إشارة الحق عليه ، ولا غريبة ( منه ) قبل ارتكابه ما ارتكب ، ولا عزيمة أشد من عزيمته - ولكنّ القدرة لا تكابر ، والحكم لا يعارض . ويقال لما قال له : « اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلا مِنْها رَغَداً » كان فيه إشارة إلى أن الذي يليق بالخلق السكون إلى الخلق ، والقيام باستجلاب الحظ ، وآدم عليه السّلام وحده كان بكل خير وكل عافية ، فلمّا جاء الشكل والزوج ظهرت أنياب الفتنة ، وانفتح باب المحنة ؛ فحين ساكن حواء أطاعها فيما أشارت عليه بالأكل ، فوقع فيما وقع ، ولقد قيل : داء قديم في بني آدم * صبوة إنسان بإنسان [ فصل ] وكلّ ما منع « 2 » منه ابن آدم توفرت دواعيه إلى الاقتراب منه . فهذا آدم عليه السّلام أبيحت له الجنة بجملتها ونهى عن شجرة واحدة ، فليس في المنقول أنه مدّ يده إلى شئ من جملة ما أبيح ، وكان عيل صبره حتى واقع ما نهى عنه - هكذا صفة الخلق . [ فصل ] وإنما نبّه على عاقبة دخول آدم الجنة من ارتكابه ما يوجب خروجه منها حين قال : « إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً » فإذا أخبر أنه جاعله خليفته في الأرض كيف يمكن بقاؤه في الجنة ؟

--> ( 1 ) وردت خطأ ( فكلا ) ، والصحيح ( وكلا ) البقرة : 35 . ( 2 ) وردت ( امتنع ) ثم استدرك الناسخ فصححها على هذا النحو في الهامش .