ابو القاسم عبد الكريم القشيري
78
لطائف الإشارات
بما علمت أنه غير مستطيع له ، إنك أنت العليم الحكيم أي ما تفعله فهو حقّ صدق ليس لأحد عليك حكم ، ولا منك سفه وقبح . قوله جلّ ذكره : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 33 ] قالَ يا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمائِهِمْ قالَ أَ لَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ ( 33 ) من آثار العناية بآدم عليه السّلام أنّه لمّا قال للملائكة : « أَنْبِئُونِي » داخلهم من هيبة الخطاب ما أخذهم عنهم ، لا سيما حين طالبهم بإنبائهم إياه ما لم تحط به علومهم . ولما كان حديث آدم عليه السّلام ردّه في الإنباء إليهم فقال : « أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ » ومخاطبة آدم عليه السلام الملائكة لم يوجب له الاستغراق في الهيبة . فلما أخبرهم آدم عليه السّلام بأسماء ما تقاصرت عنها علومهم ظهرت فضيلته عليهم فقال : « أَ لَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ » يعنى ما تقاصرت عنه علوم الخلق ، وأعلم ما تبدون من الطاعات ، وتكتمون من اعتقاد الخيرية على آدم عليه السّلام والصلاة . [ فصل ] ولمّا أراد الحق سبحانه أن ينجّى « 1 » آدم عصمه ، وعلّمه ، وأظهر عليه آثار الرعاية حتى أخبر بما أخبر به ، وحين أراد إمضاء حكمه فيه أدخل عليه النسيان حتى نسي في الحضرة عهده ، وجاوز حدّه ، فقال اللّه تعالى : « وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً » فالوقت الذي ساعدته العناية تقدم على الجملة بالعلم والإحسان ، والوقت الذي أمضى عليه الحكم ردّه إلى حال النسيان والعصيان ، كذا أحكام الحق سبحانه فيما تجرى وتمضى ، ذلّ بحكمه العبيد ، وهو فعّال لما يريد . [ فصل ] ولمّا توهموا حصول تفضيلهم بتسبيحهم وتقديسهم عرّفهم أن بساط العز مقدس عن التجمل بطاعة مطيع أو التدنس بزلة جاحد عنيد ، فردّهم إلى السجود لآدم أظهر الغناء عن كل وفاق وخلاف « 2 » .
--> ( 1 ) وردت ( ينجب ) وهي بلا ريب خطأ في النسخ ويمكن أن تكون ينجى آدم - كما أثبتنا - أو ينجو آدم ، والأرجح ما اخترناه . ( 2 ) وردت ( وخلاق ) وهي خطأ في النسخ ، وقد اخترنا ما يلائم السياق .