ابو القاسم عبد الكريم القشيري

66

لطائف الإشارات

أقمار حضوره ، وردّته يد القهر بعد ما أحضره لسان اللطف ، فوطن عن القرب قلبه ، وغلّ من الطالبين نفسه ، فكان كما قيل . حين قرّ الهوى وقلنا سررنا * وحسبنا من الفراق أمنّا بعث البين رسله في خفاء * فأبادوا من شملنا ما جمعنا وكذلك تحصل الإشارة في هذه الآية لمن له أدنى شئ من المعاني فيظهر الدعاوى فوق ما هو به ، فإذا انقطع عنه ( . . . ) « 1 » ماله من أحواله بقي في ظلمة دعاواه . وكذلك الذي يركن إلى حطام الدنيا وزخرفها ، فإذا استتبت الأحوال وساعد الأمل وارتفع المراد - برز عليه الموت من مكامن المكر فيترك الكل ويحمل الكلّ . قوله جل ذكره : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 18 ] صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ ( 18 ) صم عن سماع دواعي الحق بآذان قلوبهم ، بكم عن مناجاة الحق بألسنة أسرارهم ، عمى عن شهود جريان المقادير بعيون بصائرهم ، فهم لا يرجعون عن تماديهم في تهتكهم ، ولا يرتدعون عن انهماكهم في ضلالتهم . ويقال صم عن السماع بالحق ، بكم عن النطق بالحق ، وعمى عن مطالعة الخلق بالحق . لم يسبق لهم الحكم بالإقلاع ، ولم تساعدهم القسمة بالارتداع . قوله جل ذكره : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 19 ] أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ فِيهِ ظُلُماتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ ( 19 ) معنى قوله أو لإباحته ضرب مثلهم إمّا بهذا وإما بذلك شبّه القرآن بمطر ينزل من السماء ، وشبّه ما في القرآن من الوعد والوعيد بما في المطر من الرعد والبرق ، وشبه التجاءهم إلى الفرار عند سماع أصوات الرعد . كذلك الإشارة لأصحاب الغفلات إذا طرق أسماعهم وعظ الواعظين ، أو لاحت لقلوبهم أنوار السعادة ؛ ولو أقلعوا عمّاهم فيه من الغفلة لسعدوا ، لكنهم ركنوا إلى التشاغل بآمالهم الكاذبة ، وأصروا على طريقتهم الفاسدة ، وتعللوا بأعذار واهية ،

--> ( 1 ) هنا كلمات زائدة وضع الناسخ عليها علامات مميزة توضح ضرورة الاستغناء عنها .