ابو القاسم عبد الكريم القشيري

64

لطائف الإشارات

سكنوا القبور ، زيّنوا المهد ولكن أدرجوا اللحد ، ركضوا في ميدان الغفلة ولكن عثروا في أودية الحسرة ، وعن قريب سيعلمون ، ولكن حين لا ينفعهم علمهم ، ولا يغنى عنهم شئ . سوف ترى إذا انجلى الغبار * أفرس تحتك أم حمار قوله جل ذكره : [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 14 إلى 15 ] وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ ( 14 ) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ ( 15 ) أراد المنافقون أن يجمعوا بين عشرة الكفار وصحبة المسلمين ، فإذا برزوا للمسلمين قالوا نحن معكم ، وإذا خلوا بأضرابهم من الكفار أظهروا الإخلاص لهم ، فأرادوا الجمع بين الأمرين فنفوا عنهما . قال اللّه تعالى : « مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلِكَ لا إِلى هؤُلاءِ وَلا إِلى هؤُلاءِ » ، وكذلك من رام أن يجمع بين طريق الإرادة وما عليه أهل العادة لا يلتئم ذلك ، فالضدان لا يجتمعان ، و « المكاتب عبد ما بقي عليه درهم » ، وإذا أدلهم الليل من هاهنا أدبر النهار من هاهنا ، ومن كان له في كل ناحية خليط ، وفي زاوية من قلبه ربيط كان نهبا للطوارق ، ينتابه كل قوم ، وينزل في قلبه كل ( . . . . ) « 1 » ، فقلبه أبدا خراب ، لا يهنأ بعيش ، ولا له في التحقيق رزق من قلبه ، قال قائلهم : أراك بقية من قوم موسى * فهم لا يصبرون على طعام ولما قال المنافقون إنما نحن مستهزئون قال اللّه تعالى : « اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ » أي يجازيهم على استهزائهم ، كذلك لما ألقى القوم أزمّتهم في أيدي الشهوات استهوتهم في أودية التفرقة ، فلم يستقر لهم قدم على مقام فتطوحوا في متاهات الغيبة ، وكما يمد المنافقين في طغيانهم يعمهون يطيل مدة « 2 » هؤلاء في مخايل الأمل فيكونون عند اقتراب آجالهم أطول ما كانوا أملا ، وأسوأ ما كانوا عملا ، ذلك جزاء ما عملوا ، ووبال ما صنعوا . وتحسين أعمالهم القبيحة في أعينهم من

--> ( 1 ) مشتبهة في ص . ( 2 ) وربما كانت يطيل ( مد ) والسياق يقبل كليهما .