ابو القاسم عبد الكريم القشيري

61

لطائف الإشارات

ثبتوا على نفاقهم ، ودأبوا على أن يلبّسوا على المسلمين ، فهتك اللّه أستارهم بقوله : وما هم بمؤمنين كذا قيل : من تحلى بغير ما هو فيه * فضح الامتحان ما يدّعيه ولما تجردت أقوالهم عن المعاني كان وبال ما حصلوه منها أكثر من النفع الذي توهموه فيها ، لأنه تعالى قال : « إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ » ولولا نفاقهم لم يزدد عذابهم . ويقال لما عدموا صدق الأحوال لم ينفعهم صدق الأقوال ، فإن اللّه تعالى قال : « وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ » فكانوا يقولون نشهد إنك لرسول اللّه ، وكذلك من أظهر من نفسه ما لم يتحقق به افتضح عند أرباب التحقيق في الحال ، وقيل : أيها المدعى سليمى هواها * لست منها ولا قلامة ظفر إنما أنت في هواها كواو * ألصقت في الهجاء ظلما بعمرو قوله جلّ ذكره : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 9 ] يُخادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَما يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ ( 9 ) عاد وبال خداعهم والعقوبة عليه « 1 » إلى أنفسهم فصاروا في التحقيق كأنهم خادعوا أنفسهم ، فما استهانوا إلا بأقدارهم ، وما استخفّوا إلا بأنفسهم ، وما ذاق وبال فعلهم سواهم ، وما قطعوا إلا وتينهم . ومن كان عالما بحقائق المعلومات فمن رام خداعه إنما يخدع نفسه . والإشارة في هذه الآية أن من تناسى لطفه السابق وقال لي ربى ومنى وأنا يقع في وهمه وظنه لك وبك ومنك وأنت ، وهذا التوهم أصعب العقوبات « 2 » لأنه يرى سرابا فيظنه شرابا حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد اللّه عنده فوقّاه حسابه . قوله جلّ ذكره : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 10 ] فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْذِبُونَ ( 10 ) في قلوب المنافقين مرض الشك ، ويزيدهم اللّه مرضا بتوهمهم أنهم نجوا بما لبّسوا

--> ( 1 ) وردت في ص ( عليها ) والأصح أن تكون عليه لأن الضمير يعود على الخداع وربما قصد القشيري عودة الضمير على مفهوم ، وهو جريمة الخداع . ( 2 ) جاء في رسالة القشيري « التوحيد إسقاط الياءات فلا تقول لي وبي ومنى وإلى » ص 149