ابو القاسم عبد الكريم القشيري
56
لطائف الإشارات
حقيقة الإيمان التصديق ثم التحقيق ، وموجب الأمرين التوفيق . والتصديق بالعقل والتحقيق ببذل الجهد ، في حفظ العهد ، ومراعاة الحد . فالمؤمنون هم الذين صدّقوا باعتقادهم ثم الذين صدقوا في اجتهادهم . وأمّا الغيب فما يعلمه « 1 » العبد مما خرج عن حد الاضطرار ؛ فكل أمر ديني أدركه العبد بضرب استدلال ، ونوع فكر واستشهاد فالإيمان به غيبيّ . فالرب سبحانه وتعالى غيب . وما أخبر الحق عنه من الحشر والنشر ، والثواب والمآب ، والحساب والعذاب - غيب . وقيل إنما يؤمن بالغيب من كان معه سراج الغيب ، وأن من أيّدوا ببرهان العقول آمنوا بدلالة العلم وإشارة اليقين ، فأوردهم صدق الاستدلال ساحات الاستبصار ، وأوصلهم صائب الاستشهاد إلى مراتب السكون ؛ فإيمانهم بالغيب بمزاحمة علومهم دواعي الريب . ومن كوشف بأنواع التعريف أسبل عليهم سجوف الأنوار ، فأغناهم بلوائح البيان عن كل فكر وروية ، وطلب بخواطر ذكية ، وردّ وردع لدواع ردية ، فطلعت شموس أسرارهم فاستغنوا عن مصابيح استدلالهم ، وفي معناه أنشدوا : ليلى من وجهك شمس الضحى * وظلامه في الناس سارى والناس في سدف الظلا * م ونحن في ضوء النهار وأنشدوا : طلعت شمس من أحبّك ليلا * فاستضاءت ومالها من غروب إن شمس النهار تغرب بالليل * وشمس القلوب ليست تغيب « 2 » ومن آمن بالغيب بشهود الغيب غاب في شهود الغيب فصار غيبا يغيب . وأمّا إقامة الصلاة فالقيام بأركانها وسننها ثم الغيبة « 3 » عن شهودها برؤية من يصلّى له « 4 »
--> ( 1 ) وردت ( يعمله ) والأرجح أن تكون ( يعلمه ) حتى تتلاءم مع طبيعة الغيب . ( 2 ) وردت ( مما لها ) ، ( وتغيب بالليل ) ، ( ليت تغيب ) وقد صححنا ذلك بما يتلاءم مع الوزن والمعنى ( 3 ) وردت ( ثم ألغيت ) وهي خطأ من الناسخ والأصح ( الغيبة ) كما سنجد في الهامش التالي . ( 4 ) القشيري هنا متأثر بفكرة الواسطي حينما دخل نيسابور وسأل أصحاب أبي عثمان : بماذا كان يأمركم شيخكم ؟ فقالوا : كان يأمرنا بالتزام الطاعات ورؤية التقصير فيها . فقال « . . . . هلا أمركم بالغيبة عنها برؤية منشئها ومجريها » الرسالة ص 34 .