ابو القاسم عبد الكريم القشيري

37

لطائف الإشارات

وإذا ضرب القرآن مثلا بالكلب أو الذبابة أو البعوضة أو التي نقضت غزلها من بعد قوة ، فإن هذا التصوير القرآني الأخاذله على وجدان القشيري الأديب وقع مؤثر ، يقول مثلا ( . . . . وضرب المثل بالبعوضة لأنها إذا جاعت فرّت وطارت ، وإذا شبعت تشققت وتلفت ، كذلك الإنسان ليطغى أن رآه استغنى . « وما فوقها » أي الذباب ، وجهة الإشارة في أن للذباب وقاحة حيث يعود عند البلاغ في الذبّ ، واللّه سبحانه خلق القوة في الأسد ولكنه خلق فيه النفور من الناس ، وخلق الضعف في الذباب ، ولكنه خلق فيه الوقاحة ، وتلك حكمة اللّه ) . والمظاهر الكونية في القرآن مصادر إشارات لا تنتهى وهي من أقوى الوسائل التي استغلّها القشيري لتوضيح حقائق العلم الصوفي فالشمس والقمر ، والليل والنهار ، والجبال والبحار ، والسحب والأمطار . . . . كلها توحى بمعان كثيرة لتوضيح الفروق الدقيقة بين الطوالع واللوامع واللوائح ، وعلم اليقين وحق اليقين ، وعلوم الإنسان العقلية والمعارف اللدنية . . . . إلى آخره . يقول عند « كلا والقمر » : أقمار العلوم إذا أخذ هلالها في الزيادة بزيادة البراهين فإنها تزداد حتى إذا صارت إلى حد التمام وبلغت الغاية تبدو أعلام المعرفة ، ثم تأخذ علوم البراهين في النقصان حين تطلع شموس المعرفة ، وكما أن القمر كلما قرب من الشمس يزداد نقصانه حتى يصير محاقا كذلك إذا ظهر سلطان العرفان تأخذ أقمار العلوم في النقصان بزيادة المعارف كالسراج في ضوء الشمس ) . وتوقف القشيري طويلا عند المواقف النفسية وعند الاستدلالات الوجدانية في الأسلوب القرآني فكشف الكثير من أسرار الإعجاز القرآني كما أبان عن عبقريته في التذوق الفنى ، وليس ذلك غريبا بالنسبة لصوفىّ ذي بصيرة كاشفة ، وشاعر له حس دقيق مرهف ، وباحث متعمق في أغوار النفس البشرية ، وأديب يحسن التعبير عما يذوق ويجد . نفعنا اللّه بعلمه وبركته . دكتور إبراهيم بسيوني