ابو القاسم عبد الكريم القشيري
29
لطائف الإشارات
ما يورده هنا قول القشيري في ( ألم ) التي افتتحت بها سورة البقرة لأنها كانت أول حروف مقطعة يقابلها أثناء عمله . يقول : « هذه الحروف المقطعة في أوائل السور من المتشابه الذي لا يعلم تأويله إلا اللّه عند قوم . ولكل كتاب سر ، وسرّ اللّه في القرآن هذه الحروف المقطعة . وعند قوم أنها مفاتيح أسمائه ؛ فالألف من اسم « اللّه » واللام يدل على اسم « اللطيف » ، والميم يدل على اسم « المجيد » و « الملك » . وقيل أقسم اللّه بهذه الحروف لشرفها لأنها بسائط أسمائه وخطابه ، وقيل إنها أسماء السور ، وقيل الألف تدل على اسم « اللّه » واللام على اسم « جبريل » والميم تدل على اسم « محمد » صلّى اللّه عليه وسلّم ؛ فهذا الكتاب نزل من اللّه على لسان جبريل إلى محمد ( ص ) . والألف من بين سائر الحروف انفردت عن أشكالها بأنها لا تتصل بحرف في الخط ، وسائر الحروف يتصل بها إلا أحرف يسيرة ، فلينتبه العبد عند تأمل هذه الصفة لاحتياج الخلق بجملتهم إليه واستغنائه عن الجميع . ويقال « 1 » يتذكر العبد المخلص من حالة الألف تقدّس الحق - سبحانه وتعالى - عن التخصص ؛ ذلك أن سائر الحروف لها محل من الحلق والشفة واللسان إلى غيرها من المخارج ، غير الألف فإنها هويته لا تضاف إلى محل . ويقال الإشارة منها إلى انفراد العبد للّه سبحانه ؛ فيكون كالألف لا يتصل بحرف ، ولا يزول عن حالة الاستقامة والانتصاب بين يديه . ويقال يطالب العبد في سره عند مخاطبته بالألف بانفراد القلب إلى اللّه تعالى ، وعند مخاطبته باللام بلين الجانب ، وعند سماع الميم بموافقة أمره فيما يكلفه . وقد اختص كل حرف بصفة مخصوصة ، وانفردت الألف باستواء القامة والتميز عن الاتصال بشئ من أضرابها من الحروف فجعل لها صدر الكتاب إشارة إلى أن من تجرّد عن الاتصال بالأمثال والأشغال حظى بالمرتبة العليا ، وفاز بالدرجة القصوي ، وصلح للتخاطب بالحروف المنفردة التي هي غير
--> ( 1 ) عندما يقول القشيري « ويقال . . . » فليس معنى ذلك دائما أن يورد بعدئذ رأيا لغيره فربما - وهذا هو الغالب - أنه يقصد إلى توضيح وجهة نظره من زوايا مختلفة .