ابو القاسم عبد الكريم القشيري
135
لطائف الإشارات
البعد ، فبينكما برزخ لا يبغيان ، فما هم بتابعي قبلتكم وإن أريتهم من الآثار ما هو أظهر من الشموس والأقمار ، ولا أنت - بتابع قبلتهم وإن أتوا بكل احتيال ، حكما من اللّه - سبحانه - بذلك في سابق الأزل . قوله جل ذكره : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 146 ] الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ( 146 ) حملتهم مستكنّات الحسد على مكابرة ما علموه بالاضطرار ، فكذلك المغلوب في ظلمات نفسه ، ألقى « 1 » جلباب الحياء فلم ينجع فيه ملام ، ولم يردعه عن انهماكه كلام . قوله جل ذكره : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 147 ] الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ ( 147 ) أي بعد ما طلعت لك شموس اليقين فلا تذعن « 2 » إلى مجوزات التخمين « 3 » . والخطاب له والمراد به الأمة . قوله جل ذكره : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 148 ] وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيها فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ أَيْنَ ما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعاً إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 148 ) الإشارة منه : أنّ كل قوم اشتغلوا عنّا بشئ حال بينهم وبيننا ، فكونوا أنتم أيها المؤمنون لنا وبنا ، وأنشد بعضهم : إذا الأشغال ألهونى عنك بشغلهم * جعلتك أشغالى فأنسيتنى شغلى
--> ( 1 ) وردت ( تلقى ) وهي خطأ من الناسخ . ( 2 ) وردت ( فلا ترعن ) . والصواب أن تكون ( فلا تذعن ) بالذال . ( 3 ) يغمز القشيري هنا بما بين علوم أرباب الأحوال وبين العلوم العقلية ، لأننا نعرف من مذهبه أنه مع احترامه للعقل في البداية إلا أنه محتمل للإصابة بالتجويز والتخمين وغيرهما من الآفات التي لا تجعله جديرا - وحده - بالوصول إلى المعارف العليا .