ابو القاسم عبد الكريم القشيري
122
لطائف الإشارات
وليس هذا كنعيم الدنيا وسعة الأرزاق فيها ، فهي لا ادّخار لها عن أحد وإن كان كافرا ، ولذلك : قال جلّ ذكره : وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ . فقال اللّه تعالى : [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 125 إلى 126 ] وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ ( 125 ) وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هذا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلى عَذابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ( 126 ) يعنى ليس للدنيا من الخطر ما يمنعها عن الكفار ، ولكن عهدي لا يناله إلا من اخترته من خواص عبادي . أمّا الطعام والشراب فغير ممنوع من أحد . أمّا الإسلام والمحاب فغير مبذول لكل أحد . قوله جل ذكره : وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً . واذكر يا محمد حين جعلنا البيت - يعنى الكعبة - مثابة للناس إليه يثوبون ، ومأمنا لهم إليه يرجعون ، وإياه من كل نحو يقصدون . هو بيت خلقته من الحجر ولكن أضفته إلى الأزل ؛ فمن نظر إلى البيت بعين الخلقة انفصل ، ومن نظر إليه بعين الإضافة وصل واتصل « 1 » ، وكلّ من التجأ إلى ذلك البيت أمن من عقوبة الآخرة إذا كان التجاؤه على جهة الإعظام والاحترام ، والتوبة عن الآثام . ويقال بنى البيت من الحجر لكنه حجر يجذب القلوب كحجر المغناطيس يجذب الحديد . بيت من وقع عليه ظلّه أناخ بعقوة « 2 » الأمن .
--> ( 1 ) قارن رأى القشيري الصوفي الحريص بآراء بعض الصوفية الذين أوتوا حظا من الجرأة في التعبير . عن هذا الموضوع ، من ذلك مثلا قول رابعة « لا أريد الكعبة بل رب الكعبة أما الكعبة فماذا أفعل بها . . . ولم تشأ أن تنظر إليها ( تذكرة الأولياء . العطار ج 1 ص 61 ) . وقول الحلاج : « إن شوقنا إلى اللّه يجب أن يمحو عقليا في نفوسنا صورة الكعبة ، كيما نجد من أقامها « شخصيات قلقة في الإسلام . د . بدوي ص 68 . ( 2 ) العقوة - الموضع المتسع أمام الدار أو المحلة أو حولهما ( الوسيط ص 624 ) .