ابو القاسم عبد الكريم القشيري

120

لطائف الإشارات

وكلّ أحد يقول يومئذ نفسي نفسي ونبيّنا صلّى اللّه عليه وسلّم يقول : أمتي أمتي « 1 » . قوله جل ذكره : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 124 ] وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قالَ إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً قالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ( 124 ) البلاء تحقيق الولاء ، فأصدقهم ولاء أشدّهم بلاء . ولقد ابتلى الحق - سبحانه - خليله عليه السّلام بما فرض عليه وشرع له ، فقام بشرط وجوبها ، ووفّى بحكم مقتضاها ، فأثنى عليه سبحانه بقوله : « وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى » - من التوقية - أي لم يقصّر بوجه البتة . يقال حمّله أعباء النبوة ، وطالبه بأحكام الخلّة ، وأشد بلاء له كان قيامه بشرائط الخلة ، والانفراد له بالتجافي عن كل واحد وكل شئ ، فقام بتصحيح ذلك مختليا عن جميع ما سواه ، سرّا وعلنا . « 2 » كذلك لم يلاحظ جبريل عليه السّلام حين تعرض له وهو يقذف في لجة الهلاك ، فقال : هل من حاجة ؟ فقال : أمّا إليك . . . . فلا . ومن كمال بلائه تعرض جبريل عليه السّلام في تلك الحالة ، وأي بقية كانت بقيت له منه حتى يكون لمخلوق فيه مساغ كائنا من كان ؟ !

--> ( 1 ) أخطأ الناسخ حين نقلها « كل عهد يقول . . . والصواب » كل أحد . . . وقد سمع القشيري هذه العبارة من أستاذه الدقاق - كما يقول في رسالته في باب الفتوة . ( 2 ) هذا هو رأى القشيري في « الخلّة » ، ونرى لزاما علينا أن ننبه إلى بعض الآراء الأخرى فيها . فالمعتزلة - الذين يبتعدون عن كل ما يحمل على التشبيه - يبذلون جهدهم في الاستعانة باللغة للحصول على تأويلات للنص القرآني تخدم هذه الغاية ، فلما لم يرضهم حمل لفظة الخليل على ظاهرها في الآية « وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلًا » ( النساء : 125 ) استشهدوا ببيت من الشعر القديم لزهير وهو : وإن أتاه خليل يوم مسألة * يقول لا غائب مالي ولا حرم ( ديوان زهير نشر دار الكتب ص 153 ) وفيه خليل بمعنى محتاج ، وقد أورد القشيري هذا الرأي ضمن تفسيره للآية 124 النساء ، أي أنه لا يعارض أن تحتمل اللفظة هذا المعنى . ويفسر دكتور عبد الرحمن بدوي قول أبى طالب المكي ( إن رابعة قد ارتفعت إلى وصف معنى الخلة ) بما يلي : ( على أن مقام الخلة هذا يمكن أن يفسر على أساس أنه شعور بتجاوز الخير والشر ، ذلك أن القيم الأخلاقية لا اعتبار لها إلا بالنسبة إلى بنى الإنسان والدنيا . أما - رابعة ورباح - فقد تجاوزا نطاق البشرية وصارا يلوذان بجوار الألوهية واطرحا الناسوت وشاع فيهما اللاهوت » . شهيد العشق الإلهي ص 63 ، 64