ابو القاسم عبد الكريم القشيري

116

لطائف الإشارات

المشاهدات بالالتفات إلى القربات وهي أسرار الموحدين « 1 » . قوله جلّ ذكره : لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ . لأهل الإشارة خزى الدنيا بذل الحجاب ، وعذاب الآخرة الامتناع بالدرجات . قوله جل ذكره : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 115 ] وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ واسِعٌ عَلِيمٌ ( 115 ) الإشارة منها إلى مشارق القلوب ومغاربها . وللقلوب شوارق وطوارق . وطوارقها هواجس النفوس تطرق في ظلمات المنى والشهوات . وشوارقها نجوم العلوم وأقمار الحضور وشموس المعارف . فما دامت الشوارق طالعة فقبلة القلوب ، واضحة ظاهرة ، فإذا استولت « 2 » الحقائق خفى سلطان الشوارق ، كالنجوم تستتر عند طلوع الشمس ، كذلك عند ظهور الحق يحصل اصطلام وقهر ، فلا شهود رسم ، ولا بقاء حسّ وفهم ، ولا سلطان عقل وعلم ، ولا ضياء عرفان . فإن وجدان « 3 » هذه الجملة صفات لائقة ببقاء البشرية ، وإذا صار الموصوف محوا فأنّى لهم ببقاء الصفة ! قال تعالى : « فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ » ما دام يبقى من الإحساس والتمييز بقية - ولو شظية - فالقبلة مقصودة ، فإن لم تكن معلومة تكون مطلوبة . وعلى لسان العلم إذا اشتبهت الدلائل بكلّ وجهة ، ولا معرفة بالقبلة تساوت الجهات في جواز الصلاة إلى كل واحد منها إذا لم يكن للنية ترجيح .

--> ( 1 ) نعرف من مذهب القشيري أن الأسرار ( للموحدين ) ولذا نرجح أن الناسخ أخطأ حينما كتبها ( الواجدين ) وقد أثبتناها هنا على هذا الترجيح . ( 2 ) وردت ( سولت ) وهي خطأ في النسخ . ( 3 ) وجدان ، ووجود مصدران لوجد ، غير أن القشيري يؤثر استعمال لفظة ( الوجود ) بمعناها الاصطلاحي الدقيق في موضعها للائم ( التواجد بداية والوجد واسطة والوجود نهاية ) .