ابو القاسم عبد الكريم القشيري

112

لطائف الإشارات

فأبدا « 1 » سرّك في الترقي ، وقدرك في الزيادة بحسن التّولّي وقيل ما رقّاك عن محل العبودية إلا سلكك بساحات الحرية ، وما رفع عنك شيئا من صفات « 2 » البشرية إلا أقامك بشاهد من شواهد الألوهية . قوله جل ذكره : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 107 ] أَ لَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ ( 107 ) سنّته - سبحانه - أن يجذب أولياءه عن شهود ملكه إلى رؤية ملكه « 3 » ، ثم يأخذهم من مطالعة ملكه إلى شهود حقّه ، فيأخذهم من رؤية آياته إلى رؤية صفاته ، ومن رؤية صفاته إلى شهود ذاته . قوله جل ذكره : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 108 ] أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْئَلُوا رَسُولَكُمْ كَما سُئِلَ مُوسى مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمانِ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ ( 108 ) إنّ بني إسرائيل آذوا موسى عليه السّلام ، فنهى المسلمون عن فعل ما أسلفوه ، وأمروا

--> - فنحن نعرف من مذهب القشيري ان العبادة للعوام من المؤمنين ، والعبودية للخواص ، والعبودة لخاص الخاص . العبادة لأصحاب المجاهدات ، والعبودية لأرباب المكابدات ، والعبودة صفة أهل المشاهدات . . . وهكذا - ومن أسانيد كثيرة في باب العبودية في « الرسالة » - نلحظ أن الدرجة القصوى في الأمر هي ( العبودة ) ، والترتيب هنا يمشى هكذا آثار العبادة ، أنوار العبودية ، أقمار العبودية ، وهو ترتيب في غاية الدقة ، يعطى كل درجة قدرها . ( 1 ) وردت ( فأبد ) بدون تنوين . ( 2 ) تلقت النظر هنا إلى أهمية كلمة صفات البشرية ، أي أن المقصود - حسب مذهب القشيري - ليس سقوط البشرية في حد ذاتها ، وإنما صفاتها المعلولة ، وينبغي أن يكون واضحا تمام الوضوح أن التصوف الإسلامي الحق - والقشيري من أفضل المعبرين عنه - لا يقول بأدنى تداخل بين البشرية والألوهية فالعبد عبد والرب رب . ( 3 ) ضبطنا ملك وملك مستفيدين من كلام القشيري في كتابه « التحبير » ضمن اسم « الملك » .