ابو القاسم عبد الكريم القشيري

11

لطائف الإشارات

لأن هذه الكلمة على إيجازها لا تكشف لك عن سمات الدقاق وحسب إنما هي سمات ، القشيري ذاته في أدق التفاصيل . يقول المناوي « هو أبو علي الحسن الدقاق النيسابوري الشافعي ، كان لسان وقته وإمام عصره ، فارها في العلم ، محمود السيرة ، مجهود السريرة ، جنيدى الطريقة ، سرّىّ الحقيقة ، أخذ مذهب الشافعي عن القفال والحصري وغيرهما ، وبرع في الأصول وفي الفقه وفي العربية حتى شدّت إليه الرّحال في ذلك ، ثم أخذ في العمل ، وسلك طريق التصوف ، وأخذ عن النصرآباذي ، قال ابن شهبه : وزاد عليه حالا ومقاما . . . وقد أخذ عنه القشيري صاحب « الرسالة » وله كرامات ظاهرة ومكاشفات باهرة 104 ه كلام المناوي بعد أن أخذ يضرب أمثلته لأقواله المنثورة والمنظومة [ الكواكب الدرية في تراجم الصوفية ترجمة الدقاق ] . أمّا في مجال الصداقة فلعلّ أوثق من نعرف اتصالا به صديقه أبو عبد الرحمن السلمى وصديقه أبو المعالي الجويني إمام الحرمين . وترجع أهمية السّلمى في حياة القشيري إلى أنه غزير الإنتاج في العلوم الصوفية ، وأن القشيري استفاد من علمه ، وآية ذلك أنك تجد السلمى في « الرسالة » حلقة اتصال بارزة في العديد من الأسانيد والأخبار التي عليها يعتمد القشيري موصولة بالدارقطنى والسّراج والنصرآباذي وغيرهم ، ولكن الأهم من ذلك - في تقديرنا - أن القشيري استفاد من السّلمى فائدة أبعد أثرا ، ذلك أنه تجنّب التورط في المزالق التي أدّت بصديقه إلى أن يتّهم وأن يكون موضع نقد معاصريه ومن جاء بعده ، وقد نوّهنا بشئ من ذلك عند كلامنا عن « حقائقه » . أمّا الجويني فقد كان - كالقشيرى - شافعيا من حيث المذهب الفقهي ، أشعريا من حيث العقيدة الكلامية ، وقد تعرّض - كالقشيرى - لآلام المحنة التي اكتوى بنارها الأشاعرة ، والتي سنتحدث عنها بعد قليل ، وهاجر البلاد وجاور الحرمين ، ولم يعد إلى وطنه إلا بعد انجلاء الغمّة . وإذا كان السّلمى صديقا أقرب إلى الأستاذ فإن الجويني كان صديقا أقرب إلى التلميذ ، فقد استفاد من علم القشيري ، فإذا تذكرنا أن الجويني أستاذ الغزالي أمكن أن نقول إن