ابو القاسم عبد الكريم القشيري

107

لطائف الإشارات

قوله جل ذكره : [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 94 إلى 95 ] قُلْ إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ( 94 ) وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ ( 95 ) من علامات الاشتياق تمنى الموت على بساط العوافي ؛ فمن وثق بأن له الجنة قطعا - فلا محالة - يشتاق إليها ، ولمّا لم يتمنوا الموت « 1 » - وأخبر اللّه سبحانه أنهم لن يتمنوه أبدا - صار هذا التعريف معجزة للرسول صلوات اللّه عليه وعلى آله إذ كان كما قال . وفي هذا بشارة « 2 » للمؤمنين الذين يشتاقون إلى الموت أنهم مغفور لهم ، ولا يرزقهم الاشتياق إلا وتحقق لهم الوصول إلى الجنة ، وقديما قيل : كفى للمقصر الحياء يوم اللقاء . قال اللّه تعالى : « وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ » . قوله جل ذكره : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 96 ] وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلى حَياةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَما هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ ( 96 ) « 3 » حبّ الحياة في الدنيا نتيجة الغفلة عن اللّه ، وأشد منه غفلة أحبّهم للبقاء في الدنيا . وحال المؤمن من هذا على الضدّ . وأما أهل الغفلة وأصحاب التهتك فإنما حرصهم على الحياة لعلمهم بما فقدوا فيها من طاعتهم ؛ فالعبد الآبق لا يريد رجوعا إلى سيّده . والانقلاب إلى من هو خيره مرجو خير للمؤمنين من البقاء مع من شرّه غير مأمون ، ثم إن امتداد العمر مع يقين

--> ( 1 ) في النسخة ( الجنة ) ولكن الآية الكريمة والسياق يشيران إلى تمنى الموت ثم إن الضمير فيما بعد في ( لن يتمنوه أبدا ) ضمير مذكر وليس ضمير مؤنث . ( 2 ) وردت ( وفي هذا إشارة ) والمعنى يتطلب ( بشارة ) مما يرجح هذه على تلك . ( 3 ) أسقط الناسخ من الآية من أول ( وما هو ) إلى ( أن يعمر ) فأثبتناه .