ابو القاسم عبد الكريم القشيري
103
لطائف الإشارات
عن الباقي ، حتى تقوموا به كما أمرتم ؟ أما علمتم أن من فرّق بين ما أمر به فآمن ببعض وكفر ببعض فقد حبط - بما ضيّعه - أجر ما عمله . قوله جل ذكره : فَما جَزاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ، وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يُرَدُّونَ إِلى أَشَدِّ الْعَذابِ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ . أي ظنوا أن ما فعلوه نفعهم ، فانكشف لهم في الآخرة أن جميع ما فعلوه - لمّا مزجوه بالآفات وجرّدوه عن الصدق والإخلاص - غير مقبول منهم . والأسراء أصناف : فمن أسير غرق في بحار الهوى فإنقاذه بأن تدلّه على الهدى . ومن أسير بقي في أيدي الوساوس فافتداؤه أن ترشده إلى اليقين بلوائح البراهين لتنقذه من الشك والتخمين ، وتخرجه عن ظلمات التقليد فيما تقوده إلى اليقين . ومن أسير تجده في أسر هواجسه استأسرته غاغة نفسه ، ففكّ أسره بأن تدلّه على شهود المنن ، بتبرّيه عن حسبان كلّ حول يخلق وغير . ومن أسير تجده في ربيطة ذاته ففكّ أسره إنشاده « 1 » إلى إقلاعه ، وإنجاده على ارتداعه . ومن أسير تجده في أسر صفاته ففكّ أسره أن تدله على الحق بما يحل عليه من وثائق الكون « 2 » ، ومن أسير تجده في قبضة الحق فتخبره أنه ليس لأسرائهم فداء ، ولا لقتلاهم عود ، ولا لربيطهم خلاص ، ولا عنهم بدّ ، ولا إليهم سبيل ، ولا من دونهم حيلة ، ولا مع سواهم راحة ، ولا لحكمهم ردّ . قوله جل ذكره : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 86 ] أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ ( 86 ) إن الذين آثروا عليه شيئا خسروا في الدنيا والآخرة كما قالوا :
--> ( 1 ) إنشاده إلى إقلاعه أي مطالبته والنصح له . ( 2 ) وردت ( المكون ) والأصوب الكون لأن المقصود يقتضى ذلك .