فخر الدين الرازي

60

عصمة الأنبياء

رجوع الرسول إلى الملك ثانيا وإخباره إياه بمقالة يوسف عليه السلام حتى يقول الملك ( ائتوني به أستخلصه لنفسي ) وهذا محال لا يجوز مثله في القرآن ولا في الشعر . ولو جعلنا ذلك من قول يوسف عليه السلام لم يوجب ذلك إلحاق الفاحشة به ، بل هو أدل دليل على براءة ساحته وذلك لأنه قال ( ليعلم أني لم أخنه بالغيب ) ولا خيانة أعظم من الهم بامرأته والقعود منها مقعد الرجل من امرأته * [ الشبهة الرابعة ] أنهم سجنوا يوسف عليه السلام ، وذلك معصية بالاتفاق وأنه عليه السلام قال ( رب السجن أحب إلى مما يدعونني إليه ) فيدل ذلك على محبته لتلك المعصية ، ومحبتها معصية * * ( الجواب ) * من وجهين : ( الأول ) المراد من الأحب الأخف والأسهل فهذا كمن يخير بين شيئين مكروهين جدا ، فيقول إن كذا أحب إلى ، أي أخف * [ الثاني ] أن توطين النفس على تحمل مشقة السجن أحب إلى من مواقعتي المعصية . فأما قوله : ( وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين ) فهو تصريح بأن شيئا من الطاعات لا يتم إلا بمعونة الله تعالى ولطفه * * ( الشبهة الخامسة ) * كيف يجوز على يوسف مع نبوته أن يعول على غير الله في الخلاص من السجن في قوله للذي كان معه ( اذكرني عند ربك ) حتى وردت الروايات أنه إنما طال مقامه في الحبس لأنه عول على غير الله ؟ * ( الجواب ) * أن الدنيا دار الأسباب ، فالتمسك