أبي علي الحسن بن عبد الغفار الفارسي
مقدمة 9
الحجة للقرّاء السبعة
تكون الأمة جميعها عصاة مخطئين في ترك ما تركوا منه ، كيف وهم معصومون من ذلك ؟ وأنت ترى ما في هذا القول ، فإن القراءات المشهورة اليوم عن السبعة والعشرة ، والثلاثة عشر بالنسبة إلى ما كان مشهورا في الأعصار الأول قلّ من كثر ، ونزر من بحر ، فإن من له اطّلاع على ذلك يعرف علمه العلم اليقين وذلك أن القرّاء الذين أخذوا عن أولئك الأئمة المتقدمين من السبعة وغيرهم ، كانوا أمما لا تحصى ، وطوائف لا تستقصى ، والذين أخذوا عنهم أيضا أكثر وهلمّ جرّا . فلما كانت المائة الثالثة واتسع الخرق وقل الضبط ، وكان علم الكتاب والسنّة أوفر ما كان في ذلك العصر ، تصدى بعض الأئمة لضبط ما رواه من القراءات ، فكان أول إمام معتبر جمع القراءات في كتاب : أبو عبيد القاسم بن سلّام ، وجعلهم فيما أحسب خمسة وعشرين قارئا مع هؤلاء السبعة ، وتوفي سنة أربع وعشرين ومائتين . وكان بعده أحمد بن جبير بن محمد الكوفي نزيل أنطاكية جمع كتابا في قراءات الخمسة من كل مصر واحد وتوفي سنة ثمان وخمسين ومائتين . وكان بعده القاضي إسماعيل بن إسحاق المالكي صاحب قالون ألّف كتابا في القراءات جمع فيه قراءة عشرين إماما منهم هؤلاء السبعة توفي سنة اثنتين وثمانين ومائتين ، وكان بعده الإمام أبو جعفر محمد بن جرير الطبري جمع كتابا حافلا سمّاه « الجامع » فيه نيّف وعشرون قراءة توفي سنة عشر وثلاثمائة ، وكان بعيده أبو بكر محمد بن أحمد بن عمر الداجوني ، جمع كتابا في القراءات وأدخل معهم أبا جعفر أحد العشرة ، وتوفي سنة أربع وعشرين وثلاثمائة ، وكان في أثره أبو بكر أحمد بن موسى بن العباس بن مجاهد ، أول من اقتصر على قراءات هؤلاء السبعة فقط ، وروى فيه عن هذا الداجوني وعن ابن جرير أيضا ، وتوفي سنة أربع وعشرين وثلاثمائة . وقام الناس في زمانه وبعده فألفوا في القراءات أنواع التواليف . ثم عدّد ابن الجزري طائفة منهم مع ذكر مؤلفاتهم وسنة وفاتهم ثم قال : ولا زال الناس يؤلفون في كثير القراءات وقليلها ، ويروون شاذّها وصحيحها بحسب ما وصل إليهم أو صحّ لديهم ، ولا ينكر أحد عليهم ، بل هم في ذلك متبعون سبيل السلف حيث قالوا : القراءة سنّة متّبعة يأخذها الآخر عن الأول ، وما علمنا أحدا أنكر شيئا قرأ به الآخر ، إلا ما قدّمنا عن ابن شنّبوذ ، لكنه خرج عن المصحف العثماني .