أبي علي الحسن بن عبد الغفار الفارسي

مقدمة 4

الحجة للقرّاء السبعة

وقد رأيت قبل الحديث عن المؤلّف والكتاب أن أمهّد له بما يتصل بالموضوع ويحسن بالقارئ الاطّلاع عليه والإفادة منه ، فأسوق جوابا لأسئلة تتعلق بقوله صلّى اللّه عليه وسلّم في الحديث المتفق عليه : « إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف فاقرءوا ما تيسر منه » « 1 » ثم أذكر شروط القراءة الصحيحة . 1 - ما سبب ورود القرآن على سبعة أحرف ؟ سبب وروده على سبعة أحرف هو التخفيف على هذه الأمة ، وإرادة اليسر بها ، والتهوين عليها شرفا لها وتوسعة ورحمة ، وإجابة لقصد نبيّها أفضل الخلق حيث أتاه جبريل فقال له : « إن اللّه يأمرك أن تقرئ أمتك القرآن على حرف ، فقال صلّى اللّه عليه وسلّم : أسأل اللّه معافاته ومعونته ، إن أمتي لا تطيق ذلك » ولم يزل يردّد المسألة حتى بلغ سبعة أحرف . وذلك أن الأنبياء عليهم السلام كانوا يبعثون إلى قومهم الخاصين بهم ، والنبي صلّى اللّه عليه وسلّم بعث إلى جميع الخلق أحمرها وأسودها ، عربيّها وعجميّها ، وكانت العرب الذين نزل القرآن بلغتهم لغاتهم مختلفة ، وألسنتهم شتّى ، ويعسر على أحدهم الانتقال من لغته إلى غيرها ، أو من حرف إلى آخر ، بل قد يكون بعضهم لا يقدر على ذلك ولو بالتعليم والعلاج ، لا سيما الشيخ والمرأة ، ومن لم يقرأ كتابا ، فلو كلفوا العدول عن لغتهم والانتقال عن ألسنتهم لكان من التكليف بما لا يستطاع . قال ابن قتيبة في كتاب المشكل : فكان من تيسير اللّه تعالى أن أمر نبيّه صلّى اللّه عليه وسلّم بأن يقرئ كل قوم بلغتهم وما جرت عليه عادتهم : فالهذلي يقرأ ( عتّى حين ) يريد : ( حتى حين ) لأنه هكذا يلفظ بها ويستعملها ، والأسدي يقرأ : تعلمون ، وتعلم . و تَسْوَدُّ وُجُوهٌ [ آل عمران / 106 ] و إِذا قِيلَ لَهُمْ [ البقرة / 11 ] وَغِيضَ الْماءُ [ هود / 44 ] بإشمام الضم مع الكسر و هذِهِ بِضاعَتُنا رُدَّتْ إِلَيْنا [ يوسف / 65 ] بإشمام الكسر مع الضم ، و ما لَكَ لا تَأْمَنَّا بإشمام الضم مع الإدغام ، وهذا ما لا يطوع به كل لسان . ولو أن كل فريق أمر أن يزول عن لغته وما جرى عليه اعتياده طفلا وناشئا وكهلا لاشتد ذلك عليه ، وعظمت المحنة فيه ، ولم يمكنه إلا بعد رياضة للنفس طويلة ، وتذليل للسان ، وقطع للعادة ، فأراد اللّه برحمته ولطفه ، أن يجعل لهم متسعا في اللغات ، ومتصرفا في الحركات كتيسيره عليهم في الدين « 2 » » .

--> ( 1 ) ملخصة من كتاب النشر للجزري . ( 2 ) تأويل مشكل القرآن 39 - 40 .