أبي هلال العسكري
54
تصحيح الوجوه والنظائر
وهذا كما تقول : فعلت ذلك لفلان . أي : ميلا إليه وإعانة له ، وإنما قال فرعون هذا القول ليوهم غيرهم أنهم على اعتقاد التكذيب لموسى ؛ لأن لا يكون ما ظهر منهم داعية لغيرهم إلى الإيمان به . وهو في القرآن على أربعة أوجه : الأول : بمعنى : الإقرار باللسان من غير اعتقاد ؛ قال اللّه تعالى : ذلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا [ سورة المنافقون آية 3 ] . يعني : أقروا علانية وكفروا سرا . وقوله تعالى : أَ لَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ ، ، وقوله تعالى : [ سورة [ يا أيها آية الذين آمنوا ] لا تَتَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ [ سورة الممتحنة آية 13 ] هكذا جاء في التفسير . ويجوز عندنا أن تكون المخاطبة في هذه الآية وما قبلها مخاطبة للمؤمنين حقا يأمرهم بخشوع القلوب وترك تولي المغضوب عليهم فيما يستقبل من أعمارهم . وقيل : قوله : أَ لَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ [ سورة الحديد آية 16 ] أن هؤلاء قوم من المؤمنين قصروا بعض التقصير ولم يظهر عليهم أثر الإسلام ؛ خشوعه ووقاره فاستعتبهم اللّه بهذه الآية . وقال بعضهم : كانوا بمكة مجتهدين فلما هاجروا أصابهم الزيف ففتروا عما كانوا عليه ، وأن الشيء يبين ، وأنى يأتي بمعنى دنا . الثاني : التصديق سرا وعلانية ، قال اللّه تعالى : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ [ سورة البينة آية 7 ] . الثالث : التوحيد ، قال اللّه تعالى : وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ [ سورة المائدة آية 5 ] ، قالوا : أراد بالتوحيد ، والمعنى على هذا : ومن يكفر باللّه الموحد ، ويجوز [ أن يكون ] الكفر هاهنا الجحد : أي : من جحد الإيمان بهذه الأحكام التي تقدم ذكرها فقد حبط عمله ، وفيه دليل على أن من نذر طاعة ثم ارتد بطل نذره . الرابع : إقرار المشرك ببعض ما يوافق المسلم ، قال [ اللّه تعالى ] : وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ [ سورة يوسف آية 106 ] أي : إذا سألتم عن خالقهم قالوا : اللّه .