أبي هلال العسكري

52

تصحيح الوجوه والنظائر

الثالث : الخضوع والاستسلام ، قال اللّه تعالى : قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا [ سورة الحجرات آية 14 ] وخضعنا مخافة السبي والقتل ، وهذه الآية خاصة في قوم من الأعراب ، وإن كان لفظها عاما فيهم ، إذ كان منهم من أخلص ، كما قال : الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ [ سورة آل عمران آية 173 ] . وإنما قال لهم ذلك نفر ، وقيل : بل رجل واحد .

--> - منهم الزمخشري : طعمة بن أبيرق ، والحارث بن سويد بن الصامت ، ووحوح بن الأسلت ، وذكر عكرمة أنهم كانوا اثني عشر ، وسمى منهم : أبا عامر الراهب ، والحارث ووجوها . وقال النقاش : نزلت في طعمة بن أبيرق . ألفاظ الآية تعم كل من ذكر وغيرهم . وقيل : هي في عامة المشركين وقال مجاهد : حمل الآيات إلى الحارث رجل من قومه فقرأها عليه فقال له الحارث : إنك واللّه ما علمت لصدوق ، وإن رسول اللّه لأصدق منك ، وإن اللّه تعالى لأصدق الثلاثة . قال فرجع الحارث فأسلم وحسن إسلامه . كيف : سؤال عن الأحوال ، وهي هنا للتعجيب والتعظيم لكفرهم بعد الإيمان ، أي : كيف يستحق الهداية من أتى بما ينافيها بعد التباسه بها ووضوحها ؟ فاستبعد حصولها لهم مع شدّة الجرائم ، كما قال صلى اللّه عليه وسلم : « كيف تفلح أمة أدمت وجه نبيها » ؟ . وقال الزمخشري : كيف يلطف بهم وليسوا من أهل اللطف لما علم اللّه من تصميمهم على كفرهم ؟ انتهى . وهذه نزعة اعتزالية ، إذ ليس المعنى عنده : إن اللّه يخلق الهداية فيهم كما لا يخلق الضلال فيهم ، بل هما مخلوقان للعبد . وقيل : الاستفهام هنا يراد به الجحد ، والمعنى : ليس يهدي ، ونظيره قول الشاعر : فهذي سيوف ، يا صديّ بن مالك * كثير ، ولكن : أين بالسيف ضارب ؟ وقول الآخر : كيف نومي على الفراش ولما * يشمل الشام غارة شعواء ؟ والهداية هنا هي إلى الإيمان واتباع الحق ، وأبعد من زعم أن المعنى : لا يهديهم إلى الجنة إلّا إن تجوّز ، فأطلق المسبب على السبب ، لأن دخول الجنة مسبب عن الإيمان ، فيعود إلى القول الأول . [ البحر المحيط : 3 / 311 ] .