أبي هلال العسكري

440

تصحيح الوجوه والنظائر

وجاء في القرآن على أربعة أوجه فيما قيل : الأول : مجيئه بمعنى الباء ، قال : يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ [ سورة غافر آية : 15 ] ، وقال : يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ [ سورة الرعد آية : 11 ] . الثاني : بمعنى في ، قال اللّه : أَرُونِي ما ذا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ [ سورة فاطر آية : 40 ] ، أي : في الأرض . الثالث : بمعنى على ، وقال اللّه : وَنَصَرْناهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا [ سورة الأنبياء آية : 77 ] ، أي : عليهم ، وعندنا أن ذلك يقال على المسامحة والمقاربة ، فإذا أردت هذه الوجوه إلى أصل من في العربية صحت ؛ فقوله : يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ [ سورة الرعد آية : 11 ] ، أي : ابتداء حفظه من ذلك ، وهكذا قوله : يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ [ سورة غافر آية : 15 ] ، أي : أمره ابتداء الغاية ، وقوله : ما ذا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ [ سورة الأحقاف آية : 4 ] ، أي : ماذا خلقوا بعض الأرض . الرابع : الوجه الذي ذكر أنه زيادة ، وهو على ما ذكرناه ، قال اللّه : قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ [ سورة النور آية : 30 ] ، وقوله : مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ [ سورة البقرة آية : 105 ] ، وقوله : رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ [ سورة يوسف آية : 101 ] ، قالوا : دخل من هاهنا لتختص هذا الملك من سائر الأشياء ، وكذلك قوله : لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ [ سورة إبراهيم آية : 10 ] ، وإذا كان لدخوله معنى خرج من أن تكون زيادة ؛ فقوله : لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ [ سورة إبراهيم آية : 10 ] ، أي : بعض ذنوبكم ، وهو الذي يتولون منه ، وقوله : يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ [ سورة النور آية : 30 ] ، فإن من للتبعيض ، أي : بعض أبصارهم يريد ما حرم عليهم النظر إليه ، وقيل : هو للتبيين لأنه لما قال : يَغُضُّوا [ سورة النور آية : 30 ] ، احتمل أشياء كثيرة ، فبين المراد بمن فقال : مِنْ أَبْصارِهِمْ [ سورة النور آية : 30 ] ، وأما قوله : وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِنْ جِبالٍ فِيها مِنْ بَرَدٍ [ سورة النور آية : 43 ] ، بمعنى قوله : مِنَ السَّماءِ [ سورة النور آية : 43 ] ،