أبي هلال العسكري
436
تصحيح الوجوه والنظائر
المعروف « 1 » قد ذكرنا أصله ، وهي في القرآن على أربعة أوجه :
--> ( 1 ) قال أبو جعفر : ثم اختلف أهل التأويل في " المعروف " الذي أذن اللّه جل ثناؤه لولاة أموالهم أكلها به ، إذا كانوا أهل فقر وحاجة إليها . فقال بعضهم : ذلك هو القرض يستقرضه من ماله ثم يقضيه . ذكر من قال ذلك : حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا وكيع ، عن سفيان وإسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن حارثة بن مضرّب قال : قال عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه : إنّي أنزلت مال اللّه تعالى مني بمنزلة مال اليتيم ، إن استغنيت استعففت ، وإن افتقرت أكلت بالمعروف ، فإذا أيسرت قضيت . واختلف قائلوا هذا القول في معنى : " أكل ذلك بالمعروف " . فقال بعضهم : أن يأكل من طعامه بأطراف الأصابع ، ولا يلبس منه . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن بشار قال ، حدثنا أبو أحمد قال ، حدثنا سفيان ، عن السدي قال ، أخبرني من سمع ابن عباس يقول : " ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف " ، قال : بأطراف أصابعه . وقال آخرون : بل " المعروف " في ذلك : أن يأكل ما يسدّ جوعه ، ويلبس ما وارى العورة . ذكر من قال ذلك : حدثني يعقوب بن إبراهيم قال ، حدثنا هشيم قال ، أخبرنا مغيرة ، عن إبراهيم قال : إن المعروف ليس بلبس الكتّان ولا الحلل ، ولكن ما سدّ الجوع ووارى العورة . وقال آخرون : بل ذلك " المعروف " ، أكل تمره ، وشرب رسل ماشيته ، بقيامه على ذلك ، فأما الذهب والفضة ، فليس له أخذ شيء منهما إلا على وجه القرض . ذكر من قال ذلك : حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر ، عن الزهري ، عن القاسم بن محمد قال : جاء رجل إلى ابن عباس فقال : إن في حجري أموال أيتام ؟ وهو يستأذنه أن يصيب منها ، فقال ابن عباس : ألست تبغي ضالتها ؟ قال : بلى ! قال : ألست تهنأ جرباها ؟ قال : بلى ! قال : ألست تلطّ حياضها ؟ قال : بلى ! قال : ألست تفرط عليها يوم وردها ؟ قال : بلى ! قال : فأصب من رسلها يعني : من لبنها . قال أبو جعفر : وأولى الأقوال في ذلك بالصواب ، قول من قال : " المعروف " الذي عناه اللّه تبارك وتعالى في قوله : " وَمَنْ كانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ " ، أكل مال اليتيم عند الضرورة والحاجة إليه ، على وجه الاستقراض منه فأما على غير ذلك الوجه ، فغير جائز له أكله . وذلك أن الجميع مجمعون على أن والي اليتيم لا يملك من مال يتيمه إلا القيام بمصلحته . فلما كان إجماعا منهم أنه غير مالكه ، وكان غير جائز لأحد أن يستهلك مال أحد غيره ، يتيما كان ربّ المال أو مدركا رشيدا وكان عليه إن تعدّى فاستهلكه بأكل أو غيره ، ضمانه لمن استهلكه عليه ، بإجماع من الجميع وكان والي اليتيم سبيله سبيل غيره في أنه لا يملك مال يتيمه كان كذلك حكمه فيما يلزمه من قضائه إذا أكل منه ، سبيله سبيل غيره ، وإن فارقه في أنّ له الاستقراض منه عند الحاجة إليه ، كما له الاستقراض عليه عند حاجته إلى ما يستقرض عليه ، إذا كان قيّما بما فيه مصلحته . [ جامع البيان : 7 / 594 ] .