أبي هلال العسكري
43
تصحيح الوجوه والنظائر
ومن ذلك قيل : العدو لميله عمن يعاديه ، وسمي الظلم اعتداءا ؛ لأنه ميل عن الحق ، كما سمي جورا ؛ لأنه ميل . وهو في القرآن على وجهين : أولهما : التجاوز ، قال اللّه تعالى : تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوها [ سورة البقرة آية 229 ] . أي : لا تجاوزوها إلى غيرها ، : وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ [ سورة البقرة آية 229 ] أي : يتجاوزها ، ومثله : وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ [ سورة الطلاق آية 1 ] . الثاني : الظلم ، قال اللّه تعالى : فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ [ سورة البقرة آية 194 ] . أي : فمن ظلمكم فجازوه بظلمه ، فسمي الجزاء على الظلم ظلما . قال الشاعر : ألا لا يجهلنّ أحد علينا * فنجهل فوق جهل الجاهلينا لم يفتخر هذا الشاعر بالجهل وإنما أراد الجزاء على الجهل . والجهل هاهنا : ركون الرأس في الشر ، وليس هو ضد العلم . وأول الآية : الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ [ سورة البقرة آية 194 ] . والمعنى : أن المشركين سألوا النبي صلى اللّه عليه وآله عن القتال في الشهر الحرام ، فأنزل اللّه : يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ [ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ] [ سورة البقرة آية 217 ] . فأرادوا أن يغزوه في الشهر الحرام طمعا أن تكف عنهم فسألوا منه ، فأنزل اللّه : الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ . أي : إن استحلوا منك في الشهر الحرام شيئا فاستحل منهم مثله فيه ، وأكده ذلك بقوله : وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ . أي : لا يجوز ذلك بالمسلمين إلا قصاصا . ثم قال : فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ [ سورة البقرة آية 194 ] . والمعنى : إنهم إن اعتدوا فقاتلوكم في الشهر الحرام فلا تقصروا عن قتالهم فيهم ، فيكون الاعتداء من المشركين الظلم ، ومن المسلمين الانتقام .