أبي هلال العسكري
404
تصحيح الوجوه والنظائر
القائم أصل القيام الاستواء ومنه ، قام الشيء لاستوائه منتصبا ، وقومه سواه ، وقاومه استوى معه في القول أو الخصومة ، وقامت السوق لاستوائها في البيع والشراء ، وأقام أرزاق الجند ؛ إذا أجراها على استواء ، وأقام الوزن سواه وعدله ، وقوم الثوب إذا ذكر ما يساويه من الثمن ، وأقام بالمكان يرجع إلى هذا . والقائم في القرآن على وجهين : الأول : بمعنى المديم للفعل ، قال اللّه : قائِماً بِالْقِسْطِ « 1 » [ سورة آل عمران آية : 18 ] ، أي : مديم لفعله ، والقسط العدل ونحوه : إِلَّا ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِماً [ سورة آل عمران آية : 75 ] ، أي : مديما للتقاضي . الثاني : القائم خلاف القاعد ، قال اللّه : الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِهِمْ [ سورة آل عمران آية : 191 ] .
--> ( 1 ) قال الرازي : أما قوله تعالى : قائِماً بِالْقِسْطِ ففيه مسائل : المسألة الأولى : قائِماً بِالْقِسْطِ منتصب ، وفيه وجوه : الوجه الأول : نصب على الحال ، ثم فيه وجوه أحدها : التقدير : شهد اللّه قائما بالقسط وثانيها : يجوز أن يكون حالا من هو تقديره : لا إله إلا هو قائما بالقسط ، ويسمى هذا حالا مؤكدة كقولك : أتانا عبد اللّه شجاعا ، وكقولك : لا رجل إلا عبد اللّه شجاعا . الوجه الثاني : أن يكون صفة المنفي ، كأنه قيل : لا إله قائما بالقسط إلا هو ، وهذا غير بعيد لأنهم يفصلون بين الصفة والموصوف . والوجه الثالث : أن يكون نصبا على المدح . فإن قيل : أليس من حق المدح أن يكون معرفة ، كقولك ، الحمد للّه الحميد . قلنا : وقد جاء نكرة أيضا ، وأنشد سيبويه : ويأوي إلى نسوة عطل * وشعثا مراضع مثل السعالي المسألة الثانية : قوله قائِماً بِالْقِسْطِ فيه وجهان الأول : أنه حال من المؤمنين والتقدير : وأولوا العلم حال كون كل واحد منهم قائما بالقسط في أداء هذه الشهادة والثاني : وهو قول جمهور المفسرين أنه حال من شَهِدَ اللَّهُ . المسألة الثالثة : معنى كونه قائِماً بِالْقِسْطِ قائما بالعدل ، كما يقال : فلان قائم بالتدبير ، أي يجريه على الاستقامة . [ مفاتيح الغيب : 4 / 144 ] .