أبي هلال العسكري
346
تصحيح الوجوه والنظائر
العدوان قد ذكر أصل هذا الحرف ، وهو في القرآن على ثلاثة أوجه : الأول : بمعنى العذاب ؛ قال اللّه تعالى : فَإِنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ « 1 » [ سورة البقرة آية : 193 ] أي : من انتهى منهم عن الكفر فلا عذاب عليه ؛ وإنما هو على من ظلم نفسه بإقامته على الكفر ، وسمي العذاب عدوانا لأنه مقابلة بالعدوان ، كما قال الشاعر : جزينا ذوي العدوان بالأمس مثله * قصاصا سواء جزوك النّعل بالنعل ويجوز أن يكون سمي عذاب الآخرة عدوانا لمجاوزته حد العذاب المعهود . الثاني : الظلم ؛ قال اللّه : وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ [ سورة المائدة آية : 2 ] ، وقال : تَظاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ [ سورة البقرة آية : 85 ] . والإثم في هذه المواضع يجوز أن يكون مثل العدوان مثل الإثم وإنما ذكر للتوكيد ، كما تقول : الغشم والظلم هذا قول . وقول آخر : وهو أن الإثم يقتضي أنه يتتبع عليه ، وأصله في العربية التقصير . والعدوان يقتضي مجاوزة الحد ؛ فعطف أحدهما على الآخر مخالفة ما يقتضيه كل واحد منهما ولو كانا في المعنى سواء لم يجز عطف أحدهما على الآخر ، كما لا يجوز عطف زيد على أبي عبد اللّه إذا كان هو هو .
--> ( 1 ) قال الرازي : أما قوله تعالى : فَلا عُدْوانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ ففيه وجهان الأول : فإن انتهوا فلا عدوان ، أي فلا قتل إلا على الذين لا ينتهون على الكفر فإنهم بإصرارهم على كفرهم ظالمون لأنفسهم على ما قال تعالى : إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ . فإن قيل : لم سمي ذلك القتل عدوانا مع أنه في نفسه حق وصواب ؟ قلنا : لأن ذلك القتل جزاء العدوان فصح إطلاق اسم العدوان عليه كقوله تعالى : وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها [ الشورى : 40 ] وقوله تعالى : فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ [ البقرة : 194 ] وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ [ آل عمران : 54 ] فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ [ التوبة : 79 ] والثاني : إن تعرضتم لهم بعد انتهائهم عن الشرك والقتال كنتم أنتم ظالمين فنسلط عليكم من يعتدي عليكم . [ مفاتيح الغيب : 3 / 149 ] .