أبي هلال العسكري
279
تصحيح الوجوه والنظائر
الصف أصله في اللغة الامتداد والطول ؛ ومنه قيل : صفة البيت ؛ لأنها ممدودة طويلة ، وصف الطائر : جناحيه إذا مدهما في طيرانه ، وصفة السرج : ما غشي به ما بين القربوسين والسرحين وهما جانبا الرحل ، والصفيف من اللحم : ما شرح طولا وخفف في الشمس . وهو في القرآن على وجهين : الأول : بمعنى الجميع ؛ قال اللّه : وَعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ صَفًّا « 1 » [ سورة الكهف آية : 48 ] ، وقوله : ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا [ سورة طه آية : 64 ] أي : جمعا ، وقيل : ذكر الواحد وأراد الجمع ؛ أي : عرضوا صفوفا ، وقيل : صفا ؛ أي : قياما ، وذلك أن القائم يصف قدميه في القيام وهو أجود . الثاني : الصف الممدود ، قال تعالى : اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا [ سورة الصف آية : 4 ] ، وقال : وَالصَّافَّاتِ صَفًّا [ سورة الصافات آية : 1 ] يعني : صفوفا ملائكة في السماء مصلين ومسبحين .
--> ( 1 ) قال الرازي : لما ذكر اللّه تعالى حشر الخلق ذكر كيفية عرضهم ، فقال : وَعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ صَفًّا وفيه مسألتان : المسألة الأولى : في تفسير الصف وجوه . أحدها : أنه تعرض الخلق كلهم على اللّه صفا واحدا ظاهرين بحيث لا يحجب بعضهم بعضا ، قال القفال : ويشبه أن يكون الصف راجعا إلى الظهور والبروز ، ومنه اشتق الصفصف للصحراء . وثانيها : لا يبعد أن يكون الخلق صفوفا يقف بعضهم وراء بعض مثل الصفوف المحيطة بالكعبة التي يكون بعضها خلف بعض ، وعلى هذا التقدير فالمراد من قوله صفا صفوفا كقوله : يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا [ غافر : 67 ] أي أطفالا . وثالثها : صفا أي قياما ، كما قال تعالى : فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْها صَوافَّ [ الحج : 36 ] قالوا قياما . المسألة الثانية : قالت المشبهة قوله تعالى : وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا [ الفجر : 22 ] يدل على أنه تعالى يحضر في ذلك المكان وتعرض عليه أهل القيامة صفا ، وكذلك قوله تعالى : لَقَدْ جِئْتُمُونا * يدل على أنه تعالى يحضر في ذلك المكان ، وأجيب عنه بأنه تعالى جعل وقوفهم في الموضع الذي يسألهم فيه عن أعمالهم ويحاسبهم عليها عرضا عليه ، لا على أنه تعالى يحضر في مكان وعرضوا عليه ليراهم بعد أن لم يكن يراهم . [ مفاتيح الغيب : 10 / 216 ]