أبي هلال العسكري

270

تصحيح الوجوه والنظائر

والصحيح أنها لا تقبل وإن تاب ؛ لأن حكم الاستثناأ أن يكون راجعا إلى ما يليه ، ولا يرجع إلى ما تقدمه ، إلا بدلالة ، ألا ترى أن قائلا لو قال لفلان علي عشرة درهم إلا ثلاثة درهم إلا درهما كان عليه ثمانية درهم ، لأن الدرهم مستثنى من الثلاثة ، هذا أصل الاستثناء . وقد جاء في القرآن مثنا ولا لجميع المذكور ، وهو قوله تعالى : إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ [ سورة المائدة آية : 33 ] ، إلى قوله : إِلَّا الَّذِينَ تابُوا [ سورة المائدة آية : 33 ] ، فكان الاستثناء راجعا إلى جميع المذكور ، فيقول في ذلك أن الدلالة قد قامت في هذه الآية ، ولم تقم في الأول . وقال الأوزاعي : لم تقبل شهادة محدود في قذف في الإسلام . وقال أبو علي رحمه الله : تقبل شهادته إذا تاب ؛ لأنها إنما ترد عقوبة ، فإذا تاب سقطت العقوبة ، وقيل : ليس ذلك بشيء ؛ لأنه أيضا يحد عقوبة ، وإذا تاب لم يسقط الحد بالإجماع ، فكذلك الشهادة لا تقبل بالتوبة . قلنا : وهذه المعارضة ليست بالصحيحة ؛ لأن الحد في القذف حتى لأدمي فلا يسقط بالتوبة وليست كذلك الشهادة . وقال : وَجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وَشَهِيدٌ « 1 » [ سورة ق آية : 21 ] ، يعني : الملك الذي حفظ عليه عمله في الدنيا يشهد عليه في الآخرة . ومثله : وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَداءِ [ سورة الزمر آية : 69 ] ، يعني : الحفظة من الملائكة .

--> ( 1 ) قال الشوكاني : وَجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وَشَهِيدٌ أي : جاءت كل نفس من النفوس معها من يسوقها ، ومن يشهد لها ، أو عليها . واختلف في السائق والشهيد ، فقال الضحاك : السائق من الملائكة ، والشهيد من أنفسهم ، يعني : الأيدي والأرجل . وقال الحسن ، وقتادة : سائق يسوقها ، وشاهد يشهد عليها بعملها ، وقال ابن مسلم : السائق : قرينها من الشياطين ، سمي سائقا لأنه يتبعها وإن لم يحثها . وقال مجاهد : السائق والشهيد ملكان . وقيل : السائق : الملك ، والشهيد : العمل ، وقيل : السائق : كاتب السيئات ، والشهيد : كاتب الحسنات . [ فتح القدير : 7 / 30 ]