أبي هلال العسكري

162

تصحيح الوجوه والنظائر

الخامس : الخلق ، قال : إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا [ سورة الزخرف آية : 3 ] ، أي : خلقناه كذلك ، وأحدثناه ومثله : جَعَلَ الْأَرْضَ قَراراً [ سورة النمل آية : 61 ] ، أي : خلقها صلبة يمكن الاستقرار عليها ، ومثله : وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً [ سورة المؤمنون آية : 50 ] ، أي : خلقه من غير ذكر ، فصار عبرة وعلامة . السادس : الحكم ، قال اللّه تعالى : وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعامِ نَصِيباً « 1 » [ سورة الأنعام آية : 136 ] ، أي : حكموا بذلك . والمراد أنهم حكموا بأن للّه نصيبا في زروعهم ومواشيهم ولأصنامهم نصيبا فيها ، وسماهم شركائهم ؛ لأنهم جعلوا بعض أموالهم لها ، ثم كانوا يصرفون مما جعلوه للّه إلى أوثانهم فينفقونه عليها ولا يصرفون ما جعلوه لأوثانهم إلى ما يتقربون به إلى اللّه ، وقيل الأنعام هاهنا البحيرة والسائبة . فأما قوله : وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ [ سورة الفرقان آية : 31 ] ، فمعناه أنه جعل نبيه عدوا له ؛ لأنه فرض عليه محاربتهم ومناصبتهم ، فإذا جعل النبي عدوا لهم ، فقد جعلهم عدوا له ، وليس معنى ذلك أنه أمره بعداوته وأرادها منهم أو خلقها فيهم لأنه لو فعل ذلك لم يذمهم عليه ، وقوله : وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ [ سورة البقرة آية : 224 ] ، أي : لا تجعلوا القسم باللّه عرضة لإيمانكم فتكثروا الحلف ، وكذلك :

--> ( 1 ) قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : وجعل هؤلاء العادلون بربهم الأوثان والأصنام لربهم مِمَّا ذَرَأَ خالقهم ، يعني : مما خلق من الحرث والأنعام . يقال منه : " ذرأ اللّه الخلق يذرؤهم ذرءا ، وذروا " ، إذا خلقهم . " نصيبا " ، يعني قسما وجزءا . ثم اختلف أهل التأويل في صفة النصيب الذي جعلوا للّه ، والذي جعلوه لشركائهم من الأوثان والشيطان . فقال بعضهم : كان ذلك جزءا من حروثهم وأنعامهم يفرزونه لهذا ، وجزءا آخر لهذا . وقال آخرون : " النصيب " الذي كانوا يجعلونه للّه فكان يصل منه إلى شركائهم : أنهم كانوا لا يأكلون ما ذبحوا للّه حتى يسمّوا الآلهة ، وكانوا ما ذبحوه للآلهة يأكلونه ولا يسمون اللّه عليه . [ جامع البيان : 12 / 134 ]