أبي هلال العسكري

153

تصحيح الوجوه والنظائر

وسبحان اللّه : تنزيه له مما لا يليق به ، ونصبه على مذهب المصدر ؛ كأنك قلت : تسبيحا له . وسبحان : معرفة وعلم خاص ؛ فإن نونه شاعر فللضرورة ، وقوله تعالى : إِنَّ لَكَ فِي النَّهارِ سَبْحاً طَوِيلًا [ سورة آية المزمل آية : 7 ] أي : فراغا كبيرا للنوم ، وقد أوجب اللّه على العباد أن يسبحوه ويقدسوه ، وفي ذلك أوضح الدلالة على أنه لا يجوز إضافة الفواحش إليه . والتسبيح في القرآن على ثلاثة أوجه : الأول : الصلاة ، قال اللّه تعالى : فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ [ سورة الروم ، الأنبياء : 17 ، 22 ] ، والسبحة : صلاة التطوع ، وقوله : فَلَوْ لا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ [ سورة الصافات آية : 143 ] أي : المصلين . « 1 »

--> ( 1 ) قال الشوكاني في فتح القدير : والفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها ، أي : فإذا علمتم ذلك فسبحوا اللّه ، أي نزهوه عما لا يليق به في وقت الصباح والمساء وفي العشي ، وفي وقت الظهيرة . وقيل : المراد بالتسبيح هنا الصلوات الخمس . فقوله : حِينَ تُمْسُونَ : صلاة المغرب والعشاء ، وقوله : وَحِينَ تُصْبِحُونَ : صلاة الفجر ، وقوله : وَعَشِيًّا صلاة العصر ، وقوله : وَحِينَ تُظْهِرُونَ : صلاة الظهر ، وكذا قال الضحاك وسعيد بن جبير وغيرهما . قال الواحدي : قال المفسرون : إن معنى فَسُبْحانَ اللَّهِ : فصلوا للّه . قال النحاس : أهل التفسير على أن هذه الآية في الصلوات قال : وسمعت محمد بن يزيد يقول : حقيقته عندي : فسبحوا اللّه في الصلوات ؛ لأن التسبيح يكون في الصلاة . وجملة : وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ معترضة مسوقة للإرشاد إلى الحمد ، والإيذان بمشروعية الجمع بينه وبين التسبيح كما في قوله سبحانه : فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ [ الحجر : 98 ] وقوله : وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ [ البقرة : 30 ] وقيل : معنى وَلَهُ الْحَمْدُ أي الاختصاص له بالصلاة التي يقرأ فيها الحمد ، والأول أولى . وقرأ عكرمة : « حينا تمسون وحينا تصبحون ، » والمعنى : حينا تمسون فيه ، وحينا تصبحون فيه . والعشيّ : من صلاة المغرب إلى العتمة . قاله الجوهري ، وقال قوم : هو من زوال الشمس إلى طلوع الفجر ، ومنه قول الشاعر : غدونا غدوة سحرا بليل * عشيا بعد ما انتصف النهار وقوله : عَشِيًّا معطوف على حين فِي السَّماواتِ متعلق بنفس الحمد ، أي الحمد له يكون في السماوات والأرض يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ كالإنسان من النطفة والطير من البيضة وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ كالنطفة والبيضة من الحيوان . وقد سبق بيان هذا في سورة آل عمران . وقيل : ووجه تعلق هذه الآية بالتي قبلها أن الإنسان عند الصباح يخرج من شبه الموت وهو النوم إلى شبه الوجود وهو اليقظة ، وعند العشاء يخرج من اليقظة إلى النوم وَيُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها أي يحييها بالنبات بعد موتها باليباس ، وهو -