أبي هلال العسكري

139

تصحيح الوجوه والنظائر

وأصل : ادارك : تدارك كأنه قال : قد يدرك بعض علمهم بعضا في الآخرة حتى يتكامل ، ثم قال : بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْها [ سورة النمل آية : 66 ] ، وهذا إخبار عن الدنيا ، كأنه قال : دع ما تقدم ذكره من تكامل علمهم في الآخرة بأن ما وعدوا منها حق مع ما أفدتك بذلك ، وخذ في أنهم في الدنيا شاكون في البعث ، ثم قال : بَلْ هُمْ مِنْها عَمُونَ [ سورة النمل آية : 66 ] ، أي : دع ما تقدم من ذكر شكهم ، وخذ في أنهم عمون عنه ، أي : جاهلون ، والشاك في الشيء بمنزلة الجاهل به ، وقوله : بَلْ هُمْ مِنْها عَمُونَ [ سورة النمل آية : 66 ] ، توكيد لقوله : بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْها [ سورة النمل آية : 66 ] ، وهذا كقولك : فلان جاهل بكذا ، بل هو أعمى عنه ، تريد توكيد ما وصفته به من الجهل . وأما " بلى " فليس من " بل " في شيء ، و " بلى " لا يكون إلا جوابا لما كان فيه حرف جحد ، كقوله تعالى : أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى [ سورة الأعراف آية : 172 ] ، وقوله : أَ لَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ * [ سورة الأنعام آية : 130 ، الزمر : 71 ] ، ثم قال في الجواب : قالُوا بَلى [ سورة الأعراف آية : 172 ] ، وهو مخالف لنعم لأن نعم لا يكون إلا جوابا للاستفهام بلا جحد ؛ كقوله تعالى : فَهَلْ وَجَدْتُمْ ما وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قالُوا نَعَمْ [ سورة الأعراف آية : 44 ] ، وكذلك جواب الخبر ، إذا قال : فعلت ذلك ، قلت : نعم لعمري قد فعلته .

--> وقال أبو جعفر : وأولى الأقوال في تأويل ذلك بالصواب على قراءة من قرأ " بل أدرك " القول الذي ذكرناه عن عطاء الخراساني ، عن ابن عباس ، وهو أن معناه : إذا قرئ كذلك ( وَما يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ ) * بل أدرك علمهم نفس وقت ذلك في الآخرة حين يبعثون ، فلا ينفعهم علمهم به حينئذ ، فأما في الدنيا فإنهم منها في شكّ ، بل هم منها عمون . وإنما قلت : هذا القول أولى الأقوال في تأويل ذلك بالصواب ، على القراءة التي ذكرت ؛ لأن ذلك أظهر معانيه . وإذ كان ذلك معناه ، كان في الكلام محذوف قد استغني بدلالة ما ظهر منه عنه ، وذلك أن معنى الكلام : وما يشعرون أيان يبعثون ، بل يشعرون ذلك في الآخرة ، فالكلام إذا كان ذلك معناه ، وما يشعرون أيان يبعثون ، بل أدرك علمهم بذلك في الآخرة ، بل هم في الدنيا في شك منها . وأما على قراءة من قرأه ( بَلِ ادَّارَكَ ) بكسر اللام وتشديد الدال ، فالقول الذي ذكرنا عن مجاهد ، وهو أن يكون معنى بل : أم ، والعرب تضع أم موضع بل ، وموضع بل : أم ، إذا كان في أول الكلام استفهام . [ جامع البيان : 19 / 488 - 489 ] .