أبي هلال العسكري
117
تصحيح الوجوه والنظائر
الثاني : الاستيلاء ، قال اللّه : الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى [ سورة طه آية : 5 ] ، ومنه قول الشاعر : فلمّا علونا واستوينا عليهم * تركناهم صرعى لنسر وكاسر الثالث : الاستقرار ، قال اللّه : وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ [ سورة هود آية : 44 ] أي : استقرت . الرابع : التماثل ، قال اللّه : لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ [ سورة المائدة آية : 100 ] أي : ليسا مثلين ، وأما قوله تعالى : ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوى [ سورة النجم آية : 6 ] أي : استوت
--> - وقال بعضهم : لم يكن ذلك من اللّه جل ذكره بتحوّل ، ولكنه بمعنى فعله ، كما تقول : كان الخليفة في أهل العراق يواليهم ، ثم تحوّل إلى الشام . إنما يريد : تحوّل فعله . [ وقال بعضهم : قوله : " ثم استوى إلى السماء " يعني به : استوت ] وقال بعضهم : " ثم استوى إلى السماء " ، عمد لها . وقال : بل كلّ تارك عملا كان فيه إلى آخر ، فهو مستو لما عمد له ، ومستو إليه . وقال بعضهم : الاستواء هو العلو ، والعلوّ هو الارتفاع . وممن قال ذلك الربيع بن أنس . ثم اختلف متأوّلو الاستواء بمعنى العلوّ والارتفاع ، في الذي استوى إلى السّماء . فقال بعضهم : الذي استوى إلى السماء وعلا عليها ، هو خالقها ومنشئها . وقال بعضهم : بل العالي عليها : الدّخان الذي جعله اللّه للأرض سماء ( 5 ) . قال أبو جعفر : الاستواء في كلام العرب منصرف على وجوه : منها انتهاء شباب الرجل وقوّته ، فيقال ، إذا صار كذلك : قد استوى الرّجل . ومنها استقامة ما كان فيه أود من الأمور والأسباب ، يقال منه : استوى لفلان أمره . إذا استقام بعد أود . وأولى المعاني بقول اللّه جل ثناؤه : " ثم استوى إلى السماء فسوّاهن " ، علا عليهن وارتفع ، فدبرهنّ بقدرته ، وخلقهنّ سبع سماوات . والعجب ممن أنكر المعنى المفهوم من كلام العرب في تأويل قول اللّه : " ثم استوى إلى السماء " ، الذي هو بمعنى العلو والارتفاع ، هربا عند نفسه من أن يلزمه بزعمه - إذا تأوله بمعناه المفهم كذلك - أن يكون إنما علا وارتفع بعد أن كان تحتها - إلى أن تأوله بالمجهول من تأويله المستنكر . ثم لم ينج مما هرب منه ! فيقال له : زعمت أن تأويل قوله " استوى " أقبل ، أفكان مدبرا عن السماء فأقبل إليها ؟ فإن زعم أنّ ذلك ليس بإقبال فعل ، ولكنه إقبال تدبير ، قيل له : فكذلك فقل : علا عليها علوّ ملك وسلطان ، لا علوّ انتقال وزوال . ثم لن يقول في شيء من ذلك قولا إلا ألزم في الآخر مثله . ولولا أنا كرهنا إطالة الكتاب بما ليس من جنسه ، لأنبأنا عن فساد قول كل قائل قال في ذلك قولا لقول أهل الحق فيه مخالفا . وفيما بينا منه ما يشرف بذي الفهم على ما فيه له الكفاية إن شاء اللّه تعالى . [ جامع البيان : 1 / 430 ] .