أبي جعفر النحاس

10

اعراب القرآن

إحداهما لاجتماعهما وكثرة الاستعمال ، وكان القياس أن تخفّف الثانية فتكون واوا فيقال أوكل كما يقال : أوجر فلان من الأجر ، فلمّا حذفت الهمزة الثانية استغني عن الأولى فقيل : كلي ، وحذفت النون لأن الفعل غير معرب وللجزم عند الكوفيين وكذا واشربي وقرّي . قال الأصمعي : قررت به عينا ، مشتقّ من القرّ أي بردت عيني فلم تدمع فتسخن ، وقال أبو عمرو الشيباني : هو من قررت في المكان أي قرّت عيني فنامت ولم تسهر ، وقيل : معناه قررت أي هدأت لمّا نلت ما كنت متطلعا إليه . فَإِمَّا تَرَيِنَّ في موضع جزم بالشرط . والأصل فإما تريي ، زيدت النون توكيدا ، وصلح ذلك في الخبر لدخول « ما » ، وحكى سيبويه « 1 » ، « بألم ما تختننّه » « 2 » ولو نطق به بغير نون لكان « فإما ترى » فلمّا زدت النون رددته إلى أصله وكسرت الياء لالتقاء الساكنين ، وكانت الكسرة أولى للفرق بين المذكّر والمؤنّث ثم خفّفت الهمزة فألقيت حركتها على الراء وحذفت فصار ترين . فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا مشتق من آنس إذا علم وأبصر ، والانسيّ مبصر معلوم به والجمع « أناسي » ، تزاد الألف ثالثة ، كما يعمل في المجموع فتقول : بختيّ وبخاتيّ وذلك كثير معروف . [ سورة مريم ( 19 ) : آية 27 ] فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَها تَحْمِلُهُ قالُوا يا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيًّا ( 27 ) فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَها تَحْمِلُهُ في موضع الحال . [ سورة مريم ( 19 ) : آية 28 ] يا أُخْتَ هارُونَ ما كانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا ( 28 ) يا أُخْتَ هارُونَ نداء مضاف . والأصل أخوة يدلّ على ذلك أخوات وقال محمد بن يزيد : حذفت الواو فرقا بين المتشبّث وغير المتشبّث . ولا نعلم أحدا سبق أبا العباس إلى هذا القول مع حسنه وجودته . وزعم الفراء أنه إنما ضمّت الهمزة في قولهم أخت وكسرت الباء في قولهم : بنت للفرق بين ما حذفت منه الواو وبين ما حذفت منه الياء فالضمة علم الواو والكسرة علم الياء . وذكر محمد بن يزيد أن هذا القول خطأ . قال أبو جعفر : في قوله : « يا أخت هارون » قولان للعلماء : أحدهما أن هارون كان رجلا صالحا فقالوا يا أخت هارون أي يا شبيهته في الصّلاح ، وإنما المؤمنون إخوة من هذا ، وآخى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بين أصحابه . وروى جعفر عن سعيد بن جبير أنه كان رجل فاسق يقال له هارون فقالوا لها : يا أخت هارون . قال أبو جعفر : والقول الأول أولى لأن فيه حديثا مسندا .

--> ( 1 ) انظر الكتاب 3 / 580 . ( 2 ) ورد المثل في خزانة الأدب 11 / 403 ، ومجمع الأمثال 1 / 107 ، والمعنى : لا يكون الختان إلا بألم ، أي إنّ الخير لا يدرك إلا باحتمال المشقّة .