أبي منصور الماتريدي
8
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
يعني : ذلك الفضل : - النبوة والرسالة - يؤتيه من يشاء ، يعني : يخلق من البشر من يصلح للنبوة والرسالة . أو ذلك الفضل من تعليم الكتاب والحكمة يؤتيه من يشاء . وفيه دلالة على كذب قول المعتزلة ؛ لأن من قولهم : إن اللّه لا يؤتي أحدا شيئا بفضله ، بل حق عليه أن يفعل ذلك ، فإذا كان هذا على اللّه فعله كان ذلك حقّا يقضيه ، ومن قضى حقّا ، فليس يوصف بالفضل ، وقد وصف اللّه تعالى نفسه بالفضل ، فثبت بهذا كذب قولهم ، واللّه الموفق . وقوله - عزّ وجل - : وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ . أي : ذو الفضل العظيم في الدنيا ؛ حيث تفضل عليهم بالكتاب والحكمة بعد ما كانوا جهالا . أو يجوز أن يكون هذا في الآخرة أن اللّه يجزيهم عن أعمالهم الجنة ؛ فضلا منه عليهم . الْعَظِيمِ هو الدائم الباقي ، واللّه أعلم . قوله تعالى : [ سورة الجمعة ( 62 ) : الآيات 5 إلى 8 ] مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ( 5 ) قُلْ يا أَيُّهَا الَّذِينَ هادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِياءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ( 6 ) وَلا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَداً بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ ( 7 ) قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ( 8 ) وقوله : - عزّ وجل - : مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها . له أوجه من التأويل : أحدها : يحتمل أن يكون هذا كناية عن العمل ، يعني : حملوا ما في التوراة فلم يعملوا بها . والثاني : أن يقول : لَمْ يَحْمِلُوها ، يعني : لم يحملوها إلى من أمروا بحملها إليهم على ما أمروا ؛ لأنهم حرفوا وبدلوا . أو يجوز أن يكون تأويله - واللّه أعلم - أنهم كذبوا التوراة وتلقوها بالعناد والتكذيب فلم ينتفعوا بها ، فمثلهم كمثل الحمار [ يحمل ] كتبا لا يعلم قدرها وخطرها كما قال : كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً ؛ لأنهم وإن عرفوا التوراة فحين لم يعظموها حق تعظيمها ، وكذبوا بما فيها ، كانوا كأنهم لا يعرفون قدرها وخطرها ، فصار مثلهم كمثل