أبي منصور الماتريدي

78

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

النبي - عليه السلام - وأمته . ثم يجوز أن يكون رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم قصد إلى التحريم أعني : منع نفسه عن الانتفاع بها مع اعتقاد الحل لا إلى اليمين ؛ فجعل الله تعالى ذلك منه يمينا ؛ فيكون فيه دلالة على أن التحريم يمين ؛ ولهذا قال أصحابنا - رحمهم الله - : إن من قال لامرأته : « أنت عليّ حرام » ، ولا نية له ، فهو يمين . وجائز أن يكون أفصح بالحلف ؛ فكنى عنه باليمين . ثم قوله : قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمانِكُمْ على قراءة « 1 » العامة ، وفي بعض القراءات : قد فرض الله لكم كفارة أيمانكم . ووجه الفرض فيه : أن الأمم من قبل ، لم تكن يؤذن لهم بالحنث « 2 » في اليمين ، ولا أن يحلوا منها بالكفارة ، ألا ترى إلى قوله تعالى : وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ [ ص : 44 ] ، فلم يأذن له بالحنث وأباح له الضرب ، ثم أباح لهذه الأمة حل اليمين بالحنث والكفارة ، فنسب الحل إلى الكفارة ، ومرة إلى انحلالها بنفسها من جهة الحنث . ثم قوله : قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ أي : وسع عليكم ، وأحل لكم تحلة اليمين ؛ ففي هذا أن كل ما ذكر فيه ( كتب لكم ) ، أو : ( فرض لكم ) ، فهو في موضع الإباحة والتوسيع ، وما ذكر فيه عَلَيْكُمُ فهو على الإيجاب والإلزام ؛ قال الله تعالى : كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ [ البقرة : 183 ] ، وقال : كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ [ البقرة : 180 ] ، وذلك كله في موضع الوجوب ، وقال الله تعالى : ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ [ المائدة : 21 ] معناه : أباح لكم الدخول فيها . وقوله تعالى : وَاللَّهُ مَوْلاكُمْ . أي : أولى بكم فيما امتحنكم من الكفارة وغيرها . أو وَاللَّهُ مَوْلاكُمْ ، أي : أولى بكم في نصركم والدفع عنكم . وقوله - عزّ وجل - : وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ . أي : الْعَلِيمُ بمصالحكم أو مقاصدكم ، أو بما تسرون وما تعلنون ، أو بما كان ويكون ، الْحَكِيمُ : هو الذي لا يلحقه الخطأ في التدبير ، أو حكيم بما حكم عليكم من تحلة الأيمان ، والله أعلم . ثم في قوله : الْعَلِيمُ إلزام المراقبة والمحافظة ، ودعاء [ إلى التبصر ] « 3 » والتيقظ في

--> ( 1 ) في ب : القراءة . ( 2 ) في ب : في الحنث . ( 3 ) في أ : للتبصر .