أبي منصور الماتريدي
68
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ [ البقرة : 233 ] ، فإذا سمى ما ذكره الله تعالى رزقا : أجرا ، لم يكن أجرا وكان بحق الرزق والكسوة ؛ فلذلك لم تجز الإجارة في صلب النكاح ، والله أعلم . ثم قوله : فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ . دليل على أن اللبن وإن خلق لمكان الولد فهو ملك لها ، ولولا ذلك ، لم يكن لها أن تأخذ الأجر على لبن ليس لها فيها ملك ، وفيه دليل على أن حق الإرضاع والنفقة على الأزواج في حق الأولاد وحق الإمساك والحضانة والكفالة على الزوجات ، ولولا ذلك لكان لها بعض الأجر دون الكل ، فلما أمر بإيتاء كل الأجر ، ثبت أن حق الإرضاع على الأزواج وعلى الزوجات الكفالة والإمساك ، والله أعلم . ولأجل أنا لو جعلنا اللبن ملكا للولد مخلوقا له ، وجعلنا النفقة على الأم من مال نفسها ، لكانت نفقتها تفنى ولا يتهيأ لها كسب النفقة ؛ لاشتغالها بالإرضاع ؛ فتجوع وتهلك ويذهب لبنها ؛ فيبطل الإرضاع ؛ فإذا كان « 1 » إيجاب الإرضاع عليها يسقط من حيث يراد جعل النفقة ، فأسقطنا عنها ، وجعلنا ملك اللبن [ لها ] ؛ لتأخذ الأجر عليه ، والله أعلم . وفي هذه الآية دلالة على أن الأجر إنما يجب بعد استيفاء المنافع ، فإنه قال : فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ إنما أوجب الإيتاء بعد الإرضاع . وفي قوله : أُجُورَهُنَّ دلالة على أن الإرضاع إنما هو بإجارة قد سبقت ؛ لذلك قال أصحابنا : إن الأجرة إنما تجب عند استيفاء العمل . وقوله - عزّ وجل - : وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ ، له وجهان : أحدهما : أن يقول : وَأْتَمِرُوا يعني : تشاوروا في إرضاعه إذا تعاسرت هي . والثاني : وَأْتَمِرُوا أي : اعملوا بأمر من جعل الله تعالى إليه الأمر بالمعروف ، وهو الحاكم ، إذا أمركم في أمر الولد بالمعروف . وقوله : وَإِنْ تَعاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرى . يعني : إذا تنازعتم في الرضاع ، وأبت الأم أن ترضعه ، فاطلبوا أخرى ترضعه عندها . وقوله : لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ . أي : من وسع الله عليه في الرزق ، فلينفق نفقة واسعة ، وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ ، يعني : ضيق عليه و قُدِرَ هاهنا بمعنى : ضيق [ عليه ] « 2 » ، وهو كما قال : فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ
--> ( 1 ) في أ : وإذا كانت . ( 2 ) سقط في ب .