أبي منصور الماتريدي
649
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
ذلك زوجا ؛ فتكون الوحدانية الحق له ، ولا قوة إلا بالله . وقوله - عزّ وجل - : اللَّهُ الصَّمَدُ . فذكر أنه أحد ، وذكر أنه الصمد في تحقيق ما وصف من الأحدية ، وهو - والله أعلم - أن أحوج جميع من سواه ؛ حتى تحقق قصد جميع من سواه بالحاجات إليه بالكون في الخلقة وفي الصلاح بعد الكون ، وفي الذي به الدوام بعد الوجود ، والوجود بعد العدم ما احتمل الوجود دونه ، ولا البقاء إلا به ، أحاطت الحاجات بكلّ ؛ ليكون له الغناء عن الكل في الوجود والبقاء ؛ ليتحقق أنه الموجود بذاته والباقي بذاته ، والمتعالي عن معنى وجود غيره سبحانه ، وهو على ما ذكرنا من عجز الألسن عن البيان عنه بالعبارة إلا على التقريب إلى الأفهام بالمجعول من آثار هويته في جميع الأنام . ثم قيل في الصَّمَدُ بوجوه يرجع جميع ذلك إلى ما بينا . أحدها « 1 » : السيد الذي قد انتهى سؤدده ، ومعنى ذلك في المفهوم من السؤدد في صرف الحوائج « 2 » إليه ، ورجاء كل المحاوج « 3 » به . والثاني « 4 » : في أن لا جوف له ، وذلك في وصف الوحدانية والتعالي عن معنى أحدية غيره من اجتماع أجزاء ممكن فيها الفرج والثقب التي هي كالأجواف . أو على ما فسر قوم بالذي هو في ظاهر العبارة مخرج « 5 » الكتاب ، وهو الذي ذكر على أثره ، وهو قوله - تعالى - : لَمْ يَلِدْ ؛ لأن كل ذي الكون ذو جوف عنه يتولد الأولاد ، ويكون في ذلك إحالة قول من نسب إليه الولد ؛ فيقول : كيف يكون له ولد ، وقد تعلمون أنه ليس بذي جوف ؟ كما قال : بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ [ الأنعام : 101 ] في قوم نزهوه عن الصاحبة ، وهم لم يشهدوا الولادة إلا بها ، كما لم يشهدوا الولادة إلا عن ذي جوف ؛ فيكون في هذا نقض قول هذا الفريق فيه بالولادة بما نزهوه عن الجوف ، كما في الأول بما برءوه عن الصاحبة . وقيل : بما لذي الأجواف من الحاجات ؛ فيرجع إلى التأويل الأول : أنه المصمود إليه
--> ( 1 ) قاله ابن عباس أخرجه ابن جرير ( 38329 ) ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، وأبو الشيخ في العظمة ، والبيهقي في الأسماء والصفات من طرق عنه كما في الدر المنثور ( 6 / 713 ) وهو قول أبي وائل أيضا ، وفي ب : أحد . ( 2 ) في ب : الجوارح . ( 3 ) في ب : المخارج . ( 4 ) قاله ابن عباس أخرجه ابن جرير عنه ( 38304 ) وهو قول مجاهد ، والحسن ، وسعيد بن جبير ، والشعبي ، والضحاك ، وغيرهم . ( 5 ) في ب : بمخرج .