أبي منصور الماتريدي
632
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
والثاني : إخبار عن الإياس لهم من رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم عن أن يرجع إلى دينهم أبدا ، وقطع رجائهم وطمعهم في ذلك . وفيه - أيضا - أن من أشرك غيره في عبادة الله - سبحانه وتعالى - أو عبد غيره دونه على رجاء القربة إلى الله - تعالى - فهو ليس بعابد لله - تعالى - ولا موحد له ؛ لأن أولئك إنما عبدوا الأصنام رجاء أن تشفع لهم ، ورجاء أن تقربهم إلى الله - تعالى - زلفى ؛ أخبر أنها لا تقربهم « 1 » زلفى ، وأنهم ليسوا بموحدين ، ولا عابدين لله تعالى . وقوله - عزّ وجل - : لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ يحتمل وجهين : أحدهما : لكم جزاء دينكم الذي دنتم ، ولي جزاء ديني الذي دنت . والثاني : على المنابذة والإياس ، لكم ما اخترتم من الدين ، ولي ما اخترت ، لا يعود واحد منا إلى دين الآخر ، وكان قبل ذلك يطمع كل فريق عود الفريق الآخر إلى دينهم الذي هم عليه . وقوله - تعالى - : قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ ليس على الأمر ، على ما نذكر في سورة الإخلاص والمعوذتين ؛ إذ لو كان على الأمر فهو يلزم أن يقول كل واحد منا لكل كافر ذلك ، فإذا لم يلزم دل أنه ليس على الأمر . وفي حرف ابن مسعود - رضي الله عنه - : قل للذين كفروا لا أعبد ما تعبدون ، ولا أنتم عابدون ما أعبد ولا أنا عابد ما عبدتم ، ولا أنتم عابدون ما أعبد ، لكم دينكم ولي دين . وعنه أنه قال : « من قرأ هذه السورة فقد أكثر وأطنب » . وفي حديث مرفوع عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم أنه قال لرجل : « إذا أويت إلى فراشك فاقرأ : قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ ؛ فإنه براءة من الشرك » . وأهل التأويل يقولون « 2 » : إن سبب نزول هذه ومنابذته إياهم : أن رهطا من قريش قالوا لرسول الله صلّى اللّه عليه وسلم : هلم فلنعبد ما تعبد ، واعبد أنت ما نعبد نحن ؛ فيكون أمرنا أمرا واحدا ؛ فنزلت هذه السورة . قال أبو عوسجة : الدين : العادة ، تقول : هذا ديني ، أي : عادتي . ثم المعنى الذي وقع عليه التكرار لهذه الأحرف عندنا : أن التكرار « 3 » حرف جرى
--> ( 1 ) في ب : تقرب لهم . ( 2 ) قاله ابن عباس أخرجه ابن جرير ( 38225 ) ، وعبد بن حميد ، وابن المنذر ، وابن مردويه عنه كما في الدر المنثور ( 6 / 692 ) وعن سعيد بن ميناء مثله . ( 3 ) في ب : التكرر .