أبي منصور الماتريدي

623

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

حق ، وأن الذي عليه رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم باطل ؛ فيكذبون بالدين الذي يرون من أنفسهم ، ويظهرون بالتمويهات التي يموهون بها عليهم . فكيفما كان إن كانت نزلت في المنافقين ، أو في أهل الكفر ، أو في الذي كذب بالحساب والبعث ، أو بالذي ذكرنا أنه يظهر خلاف ما يضمر - ففيها « 1 » عظة وتنبيه للمؤمنين وزجر لهم عن مثل صنيعهم ؛ لأنه نعت الذي كذب بالدين إن كان المراد به الحساب ، أو الدين نفسه ؛ حيث قال : فَذلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ . وَلا يَحُضُّ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ ، كأنه قال : الذي يكذب بالدين هو الذي يدع اليتيم ؛ أي : يظلم اليتيم ، ويمنع حقه . وَلا يَحُضُّ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ ، يقول - والله أعلم - للمؤمنين : لا تظلموا اليتيم ، ولا تمنعوا حقه ، ولا تسيئوا صحبة اليتيم ، كما فعل من كذب بالدين وحضوا على طعام المسكين ؛ يصف بخلهم واستهانتهم باليتيم والمساكين ، وسوء معاملتهم التي عاملوهم ، يعظ المؤمنين ويزجرهم عن ذلك . وجائز أن يكون قوله : وَلا يَحُضُّ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ ؛ لما عندهم أن من أعطي المال ، ووسع عليه الدنيا إنما أعطي ذلك لكرامة له « 2 » عند الله - تعالى - ومن ضيق عليه ، ومنع ذلك عنه ؛ لهوان له عنده وحقارة ؛ كقوله - عزّ وجل - : فَأَمَّا الْإِنْسانُ إِذا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ . وَأَمَّا إِذا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهانَنِ [ الفجر : 15 ، 16 ] . وقوله - عزّ وجل - : أَ نُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ . . . [ الآية ] « 3 » [ يس : 47 ] ، يظنون أن الله - تعالى - منع من منع ذلك ؛ لهوان له عنده ، ومن وسع عليه ، وسع لكرامة له عنده ؛ فيقول : كيف أكرم من أهانه الله تعالى ؛ فيحتمل أن يكون ما ذكر أنه لا يحض على طعام المسكين . ويحتمل أن يكون الذي حمله على ظلمه اليتيم ، وتركه إطعامه تكذيبه بالبعث ؛ لأنه ليس لليتيم من ينصره ، ويقوم بدفع من يقصد ظلمه ، ويمنع حقه ، وكان لا يخاف عقوبة البعث ؛ إذ لا يؤمن به . ثم يحتمل قوله : أَ رَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ . فَذلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ . وَلا

--> ( 1 ) في أ : وفيه . ( 2 ) في ب : منزلة . ( 3 ) سقط في ب .