أبي منصور الماتريدي

615

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

مؤمن بالله - تعالى - كافر بالطاغوت ، والكافر يكفر بالرحمن ويؤمن بالطاغوت ويعبده ؛ فثبت أن الإيمان ليس يحسن لنفس اسم الإيمان ، ولا قبح الكفر ؛ لعين اسم الكفر ولكن الإيمان بالله - تعالى - إنما حسن من حيث أوجبت الحكمة الإيمان به ، وقبح الكفر ؛ لأن الحكمة أوجبت ترك الكفر بالله تعالى ، فالإيمان حسن ؛ لما فيه من المعنى ، والكفر قبح ، لما فيه من معنى الكفر ، وهذان الفعلان قبيحان في أنفسهما ، لا بغيرهما ؛ فكان التعيير الذي يقع بهذين الفعلين أكثر وأبلغ منه في تعييرهم بالكفر ؛ لذلك عيرهم الله - تعالى - بهذين الفعلين . ووجه آخر : أن هذا يخرج مخرج الموعظة لأمة محمد صلّى اللّه عليه وسلم ، وذلك أن رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم كان يهمز به ويسخر منه ؛ لما يأمرهم بالمعروف ، ونهيهم عن المنكر ، ولا يحمله « 1 » ما كانوا يتعاطونه على ترك أمرهم بالمعروف ، ونهيهم « 2 » عن المنكر ؛ لئلا يمتنع أحد من أمته عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لما يخشى أن يسخر به أو يستهزأ . والثالث : أن يكون هذا على وجه المكافأة والانتقام لما كانوا يفعلون [ بنبينا محمد صلّى اللّه عليه وسلم ] « 3 » على الزجر والردع عن ذلك ؛ إذ العقلاء يمتنعون عن الأفعال القبيحة ؛ فعلى هذه الوجوه يحتمل معنى تعييرهم . وقوله - عزّ وجل - : الَّذِي جَمَعَ مالًا وَعَدَّدَهُ ، قرئ على التخفيف جَمَعَ من الجمع ؛ أي : جمع ماله عنده ولم يفرقه وعدده [ وذكره ] « 4 » - أي : حفظ عدده ، وذكره على الدوام - لئلا ينقصه ، وصفه بالبخل والشح . ومن قرأه بالتشديد ، فمعناه : أنه جمعه وادخره بممر الزمان ، لم يجمع ذلك في أيام قصيرة . والأصل ( جمعه ) بالتخفيف ، لكن شدده لما فيه من زيادة الجمع . وقوله - عزّ وجل - : يَحْسَبُ أَنَّ مالَهُ أَخْلَدَهُ يتوجه وجهين : أحدهما : أن يكون على الحقيقة أنه قدر عند نفسه أنه يبقى لبقاء الأموال له ؛ لما يرى بقاءه من حيث الظاهر بها ؛ فتقرر عنده أن ما آتاه الله - تعالى - من الأموال هو رزقه ؛ فيعيش إلى أن يستوفي جميع رزقه ؛ فيجمعه ، ويدخره ؛ لكي يزيد في عمره . والوجه الثاني : أن يكون على الظن والحسبان ، كأنه يقول : جمع مالا وعدده جمع من

--> ( 1 ) في أ : بجملة . ( 2 ) في أ : والنهى . ( 3 ) في ب : بمحمد عليه السلام . ( 4 ) سقط في ب .