أبي منصور الماتريدي

608

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

أو يكون فيه وجه ثالث : إنما تفاخروا بما لا صنع لهم فيه ؛ لأنهم : إنما افتخروا بالأموال والأولاد ، وذلك من لطف الله - تعالى - وجميل « 1 » صنعه ؛ فيكون في هذا كله ذكرهم بما فيهم من السفه والخرق . ثم التعيير بذكر هذه الأسباب إنما وقع - والله أعلم - دون ما هم فيه من الكفر ؛ لأن هذه الأسباب مما يبتلى به المؤمن في بعض الأحوال ؛ فعيرهم الله - تعالى - بذلك ؛ ليكون فيه تذكير وموعظة للمؤمنين ، ولو خرج ذكر الكفار في هذا ، لكان لا يجتنب المؤمن شيئا من هذه الأفعال . وقد روي أن النبي صلّى اللّه عليه وسلم قرأ : أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ ، فقال : « يقول ابن آدم : مالي ، [ مالي ] « 2 » ، وما لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت . . . » الخبر ؛ فهذا يدل على أن الوعيد على الإطلاق من غير تصريح « 3 » بأهل الكفر ؛ لموعظة المسلمين ، والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - : حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقابِرَ يحتمل : حقيقة زيارة الموتى ، وذلك مما يذكرهم أن التكاثر مما لا ينفعهم إذا كان عاقبتهم هذا . ويحتمل : أي : صرتم إلى المقابر بعد الموت ؛ فحينئذ تذكرون حق الله - تعالى - ثم لا ينفعكم ، والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - : كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ . ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ، قال بعضهم : كلا ، بمعنى : النفي ، والتعطيل . وقال بعضهم : معنى قوله : كَلَّا ، أي : حقا . فإن كان على الوجه الأول ، فكأنه قال : ليس كما حسبتم ، وتوهمتم ، وقدرتم عند أنفسكم وتعلمون ذلك إذا نزل بكم العذاب ، وهو على الابتداء . وإن كان على معنى : حقا ، فكأنه قال : حقا ستعلمون أنه ليس كما قدرتم عند أنفسكم ، وكل ذلك يرجع إلى الوجوه التي وصفنا أنكم « 4 » ستعلمون غدا حقا يقينا « 5 » : أن الذي ألهاكم ، وشغلكم عن توحيد الله تعالى و « 6 » التفكر في حجج رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم والإيمان بالبعث كان عبثا باطلا ، وأنه كان من الواجب عليكم : أن تؤمنوا بالله ورسوله ،

--> ( 1 ) في أ : وجميع . ( 2 ) سقط في ب . ( 3 ) في ب : التصريح . ( 4 ) في ب : لكم أنه . ( 5 ) في ب : نفيا . ( 6 ) في ب : أو .