أبي منصور الماتريدي
584
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
وقال - تعالى - : وَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلَّهِ . . . [ الجن : 18 ] ، خصت هذه البقاع بالفضيلة على غيرها ؛ لعبادات جعلت فيها ؛ فعلى ذلك جائز أن يخص بعض الأوقات دون بعض بالفضيلة ؛ لمكان عبادات جعلت فيها ، لكن بيّن تلك الأماكن ، ولم يبين تلك الأوقات المفضلة ، وجعلها مطلوبة من بين غيرها من الأوقات ؛ فهو - والله أعلم - : أن لو بين ، وأشير إليها ؛ لكان لا مئونة تلزم لطالبه في ذلك ؛ لأنه يحفظ ذلك الوقت وتلك الليلة خاصة ، وأما المكان تلزم المؤنة في إتيان ذلك [ المكان ] « 1 » ، وعلى ذلك يخرج ما « 2 » لم يبين وقت خروج روح الإنسان من بدنه ؛ لأنه لو بين ، وأعلم نهاية عمره ، لتعاطى الفسق ، وارتكب المعاصي ؛ آمنا إلى آخر أجزاء حياته ، ثم يتوب ؛ فلم يبين ؛ ليكون أبدا على خوف وحذر ورجاء ؛ فعلى ذلك لم يبين تلك الليلة ؛ لتطلب من بين الليالي جميعا ؛ ليحيوا ليالي غيرها ، والله أعلم . ثم إن كان السؤال عن القرآن هو « 3 » المنزل في تلك الليلة ، يكون دليله قوله : حم . وَالْكِتابِ الْمُبِينِ . إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ . . . [ الدخان : 1 ، 3 ] . وإن كان السؤال عن ليلة القدر ؛ فيكون البيان عنها . ثم قوله : وَما أَدْراكَ ما لَيْلَةُ الْقَدْرِ هذا يحتمل وجهين : أحدهما : يقول : ما كنت تدري حتى أدراك ؛ كقوله : ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هذا . . . [ هود : 49 ] . ويحتمل قوله : وَما أَدْراكَ على التعظيم لها والتعجيب ، والله أعلم . وقيل : نزول هذه الآية يكون على معنى التسلي ، أعطاه فضل هذه الليلة ، والعمل فيها ، ثم بين فضلها حيث قال : لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ ، اختلف فيه : قال بعضهم « 4 » : إن النبي صلّى اللّه عليه وسلم أري بني أمية على منبره ؛ فساءه ذلك ؛ فنزل قوله : إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ . وَما أَدْراكَ ما لَيْلَةُ الْقَدْرِ . لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ . . . ، أي : [ من ] « 5 » ألف شهر يملكها بعدك بنو أمية يا محمد ، صلّى اللّه عليه وسلم .
--> تقدم . ( 1 ) سقط في ب . ( 2 ) في ب : حيث . ( 3 ) في ب : فهو . ( 4 ) قاله الحسن بن علي أخرجه ابن جرير ( 37714 ) ، والترمذي وضعفه ، والطبراني ، وابن مردويه ، والبيهقي في الدلائل عنه كما في الدر المنثور ( 6 / 653 ) ، وهو قول ابن عباس ، وسعيد بن المسيب . ( 5 ) سقط في ب .