أبي منصور الماتريدي
578
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
والكرم ؛ إذ الأكرم هو الوصف بغاية الكرم ؛ كالأعلم وصف بإحاطة العلم وكماله . وقوله - عزّ وجل - : عَلَّمَ بِالْقَلَمِ . عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ جعل الله - تعالى - القلم سببا به يحفظ ، وبه يثبت ، وبه يوصل إلى حفظ ما يخاف فوته ونسيانه من أمر دينهم ودنياهم ، ما لو لم يكن القلم ، لم يستقم أمر دينهم ولا دنياهم . ثم قوله : عَلَّمَ بِالْقَلَمِ ، أي : علم الخط والكتابة بالقلم . وكذا ذكر في حرف ابن مسعود وأبي وحفصة - رضي الله عنهم - : علم الخط بالقلم . ثم أضاف التعليم بالقلم إلى نفسه . وكذلك قوله : عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ ؛ فهو يخرج على وجهين : أحدهما : أن يكون أضاف ذلك إلى نفسه ؛ لما يخلق منهم فعل تعلمهم . ويحتمل إضافته إليه ؛ للأسباب « 1 » التي جعلها لهم في التعليم ، [ والله أعلم ] « 2 » . ثم ذلك التعليم بالقلم لأمته ، لا لرسول الله صلّى اللّه عليه وسلم ؛ لأنه علمه إياه بلا كتابة ولا خط ؛ حيث قال : وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ [ العنكبوت : 48 ] ، ثم في تعليم رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم بلا قلم ولا كتابة آية عظيمة لرسالته ، حيث جعله بحال يحفظ بقلبه بلا إثبات ، ولا كتابة ، ولا خط يخطه . ثم قوله : عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ يحتمل رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم ؛ لقوله « 3 » : وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً [ النساء : 113 ] ، وكقوله : تِلْكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيها إِلَيْكَ ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هذا [ هود : 49 ] ، وقوله : ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ [ الشورى : 52 ] . ويحتمل [ قوله ] « 4 » : عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ : كل إنسان ؛ كقوله : وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً [ النحل : 78 ] . وقوله - عزّ وجل - : كَلَّا إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى . أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى : طغى بالغنى ، أي : تكبر ، وافتخر بما رأى نفسه غنية « 5 » ، وعلى هذا ما روي في الخبر
--> ( 1 ) في ب : للأنساب . ( 2 ) سقط في ب . ( 3 ) في ب : بقوله . ( 4 ) سقط في ب . ( 5 ) في ب : عينه .